الإلياذة

الإلياذة
عمر شبلي
ملحمة الإلياذة هي الكتاب المقدّس عند الإغريق، وقد كتبت في القرن العاشر قبل الميلاد، وهي مرآة فكرهم وروح تاريخهم، وكانت سلاحًا لتعبئة الجماهير، ولروعتها كانت تتحوّل “إلى كابوس تتعذّر الإفاقةُ منه” كما يقول جيمس جويس، وقد ترجمها إلى العربيّة سليمان البستانيّ، ومطلعها في ترجمة سليمان البستانيّ:
ربّة الشّعر عن إخيل بن بيلا حدثينا واروي احتدامًا وبيلا
والملحمة مأخوذة من اليونانيّة، ومعناها الكلام. وهي شعر قصصيّ، بطوليّ، قوميّ، يحتوي على أحداث خارقة، وتعبر الملحمة عن مرحلة بدائيّة من الحضارة، في مجتمع يمتاز بنظام الطّبقات، وفي بلد لم يستقر قوميًّا ولا سياسيًّا، أي أنّه في حالة حرب مستمرة مع جيرانه. في مثل هذه البيئة لا يقام للفرد وزن ما، وإنما الاعتبار كل الاعتبار للقادة والأمراء. والقصّة التي تسردها الملحمة قصّة خياليّة، هي أشبه بالتّاريخ الذي يختلط بالأساطير، تتغنّى به الشّعوب البدائيّة وتتناقله، وتظهر فيه أخلاق المجتمع ونظمه، وحياته السّياسيّة وعقائده.
وهي أقدم ملحمة في الأدب الإغريقيّ، ويعود تاريخ نظمها إلى القرن العاشر قبل الميلاد. وهي المنسوبة إلى هوميروس، الشّاعر الأعمى أو عدّة شعراء متجوّلين، وهي تتألّف من 15537 بيتًا (24 أنشودة). وتروي الحرب التي دارت بين اليونان والطّرواديين، وتقع طروادة على السّاحل الغربيّ من آسيا الصّغرى يجلس على عرشها ملك طاعن في السّن كريم الخلق يدعى “بريام”، وله أبناء كثيرون. أحدهم تتجلّى فيه الشّجاعة بأوسع معانيها وهو “هكتور”، وثانيهم مثلٌ أعلى في الجمال والوسامة وهو (باريس). وقد نشأ هذا الأخير نشأة جافة خشنة كما ينشأ أبناء الرّعاة في قمم الجبال. وفي يومٍ ما، تزوره آلهة الجمال (أفروديت) وآلهة الحكمة (أثينة)، وزوجة كبير الآلهة (هيريه) ويحتكمن إليه في نزاعٍ بينهن: أيهنّ أجمل، ويحكم الأمير الشّاب للإلاهة الأولى بالتّفوّق في الحسن، وُتقسم أفروديت وهي في خمرة النّصر لتمكنن باريس من أجمل امرأة على ظهر الأرض وهي هيلانة زوجة ملك إسبارطة. وأما أثينة وهيريه فتشعران بإهانة قاسية وتحنقان على سكان طروادة وتصمّمان على خراب المدينة.
وتبر أفروديت بوعدها، وتلقي حبّ باريس في قلب هيلانة، ولا يكاد باريس يختطف هيلانة، حتى تنشأ الحرب بين اليونان والطرواديين.
وتسلَّم قيادة الجيوش اليونانية إلى العاهل أغاممنون، ومن بين الأمراء اليونانيين الذين اجتمعوا لغسل الإهانة، الشّاب الشّجاع المتوقّد أخيل، وأوليس الذّكي المحتال. ولكن طروادة هي الأخرى محميّة بفرسانها، ونخصّ بالذّكر منهم هكتور بن بويام وكان علمًا في الشّجاعة والوفاء في الأساطير القديمة.
وتحدثنا الأساطير أنّ حرب طروادة دامت عشرة أعوام، ولكن الإلياذة لا تتناول إلا المرحلة الختاميّة منها. فهي تبدأ بتصوير اليونان إلى جانب أسوار تلك المدينة منذ تسعة أعوام يعانون أصناف الألم وألوان الشّقاء.
يفتتح المؤلّف الأنشودة الأولى باسم عرائس الشّعر ويستقيهن الإلهام، وهي سنة دينيّة قديمة، ثم يحدّثنا أنّ خلافًا قد دبّ بين أغاممنون وبين أخيل بسبب إحدى السبايا.
ويُقسم أخيل أنّه لن يسهم في القتال. ويظهر باريس في الميدان ويتحدّى رؤساء الإغريق، فيبادر زوج هيلانة، وهو مينيلاس إلى تلبية التّحدّي. ويعلن أنّه يقبل المبارزة، فإذا كانت الغلبة لمينيلاس استردَّ اليونان هيلانة ودفع لهم الطّرواديون تعويضًا. وإذا كانت الغلبة لباريس انسحب اليونان ولم يطالبوا بشيءٍ ما. وبينما تدور المفاوضة حول هذا الاتفاق، تصعد هيلانة فوق سور طروادة، فيستقبلها بريام بحنانٍ أبوي، ويلقاها شيوخ طروادة بإعجاب ثم تشرع بتعداد أمراء الإغريق مشيرة إليهم واحدًا بعد واحد.
ويتم الاتفاق، وتقدَّم القرابين أشهادًا للآلهة على تقديس المعاهدة بين الطّرفين، وتبدأ المبارزة بين الخصمين ولا يلبث مينيلاس أن يظفر بخاطف زوجه ويهمّ بالفتك به لأنّه ضعيف لا يقوى على الطّعان أمام غريمه الموتور. ولكن أفروديت بومضة البصر تلفه بغمام يعمي بصر خصمه وتحمله مطيّبًا بالعطر إلى هيلانة.
وحينئذ تحتدم معركة هائلة بين الطّرفين، وينتشر الفزع بين صفوف اليونان، ويتوجَّه هكتور إلى شقيقه باريس ويحاول عبثًا أن يعيد الشّجاعة إلى قلبه، وأن يحمله على العودة إلى القتال. ثمَّ يعود هكتور وزوجه أندروماك وابنه الوحيد قبل ذهابه إلى ساحة الوغى.
وتقول أندروماك بصوتٍ خفيضٍ: “يا حبيبي وسوف تهلكك جرأتك، رحمةً بابنك وبي لقد ذُبح أبي وأمي وأخوتي جميعًا. فأنت يا هكتور أبي وأنت أمي. وأنت الزّوج الذي اختارني في صباي، رحمةً بي، ابقَ إلى جانبي”. ويجيبها هكتور: “أني لعلى يقين بأنَّ طروادة قد قدِّر لها الفناء، وإني لأرى مسبقًا ألم الملك والدي وفجيعة أخوتي، ولكن الذي يشقّ علي أكثر من ذلك، هو أن أتصوَّرك سبيّةً من سبايا اليونان، ومع ذلك، فأنا لن أفرَّ من المعركة.”.
هكذا تكلَّم هكتور، وعلا هتاف الطّرواديين فرحًا، وراحوا يستعدّون للقتال، فحملوا الخيل والثّيران وأسقوها نبيذًا ممزوجًا بالعسل، وأخذوا القمح من الأهراء، وكدَّسوا الخشب أكوامًا، وتجمَّعوا في حلقاتٍ حول النّار، وقد اطمأنّوا إلى هدأة اللّيل. وصعد إلى السّماء عطرٌ ممزوجٌ مع الهواء، وكأنَّ النجوم قد ازدادت تألُّقًا حول القمر، وكأنّ قمم الجبال قد ازدادت ارتفاعًا في الظّلام، وكأنَّ السّماء قد ازدادت وسعةً. في تلك الحقبة كانت الجياد قد ملَّت الحرب، تمضغ الشّعير، وكان الجند على أهبة القتال، قرب عرباتهم ينتظرون تنسّم الفجر.
في اليوم التّالي يحتدم القتال ويسوء موقف اليونان، فيتَّفقون على أن يرسلوا سفارةً إلى أخيل ليسترضوه ويعيدوه إلى صفوفهم، غير أنَّ أخيل لا يلين، ويرفض أن يغفر الإهانة التي لحقت به. ويكرُّ هكتور مرَّةً ثانية على اليونان “كالزّوبعة الثّقيلة” التي تهوي من شاهق جبلٍ ضخمٍ مظلم، “ويخرُّ جند اليونان صرعى وقد ملأ الظلام مآقيهم”. وإذ يرى اليونان هذه الهزيمة المنكرة، لا يجدون بدًّا من الفرار إلى سفنهم الرّاسية في الشّاطئ. حينذاك نرى باتروكل يصف لصديقه أخيل الحالة الأليمة التي وصل إليها الإغريق. ويطلب إليه أن يمزِّق ستار هذه العزلة ويسهم في القتال. فيصرُّ أخيل على رفضه إصرارًا لا يتزعزع، ولكنّه يسمح لصديقه أن ينزل إلى الميدان ويزوِّده بسلاحه الخاص. ويندفع باتروكل إلى المعمعة ويُعمل السّيف في ركب الطّرواديين، ويتغيَّر وجه الحرب. ثم يلتقي بهكتور، فتنشأ بينهما معركة رهيبة تنتهي بموت باتروكل.
وما أن يصل هذا النّبأ إلى مسامع أخيل، حتى يندفع إلى جيوش الأعداء بلا سلاح ولا دروع يبحث عن جثَّة صديقه، وإذ يُشرف على جموع الطّرواديين، يصرخ فيهم صرخةً تجعلهم يفرّون جميعًا أمام هذا الرّجل الأعزل، وعندما يخلو له الميدان يأخذ في التّفرُّس في وجوه القتلى حتى يعرف جثّة صديقه فيحملها إلى خيمةٍ ويقسم ليشتركنّ في القتال منذ الغد وليقتلن هكتور ولو كان في حماية الآلهة.
ويسوق أخيل جنود طروادة أمامه سوق الأنعام، وكان هكتور ينتظره منفردًا إلى جانب سور طروادة، ويتوسَّل إليه والده بريام أن يدخل المدينة. ويقف البطل جامدًا مصمِّمًا على أن يلقى خصمه، وما إن يظهر أخيل حتى يرتعب هكتور ويسلّم ساقيه للرّيح، ولكن أخيل يجدُّ في إثره، ويلتقي الخصمان، ونشاهد الجيشين في هلعٍ شامل، ويهوي أخيل على عدوّه ويطعنه طعنةً نجلاء فيسقط مضرَّجًا بدمائه، ويصيح اليونان فرحين، وينفطر قلب بريام الشيخ حزنًا، وتذرف أندروماك الدّمع السّخين..
أمّا أخيل، فلم تنطفئ من صدره جذوة الحقد، فيسحب جثة خصمه الملقاة في التّراب على وجهها ويطوف بها حول مجمرة صديقه باتروكل، ويصمِّم على أن يلقي بالجثة لقمةً للطّير والسّباع، وأن يحرمها الطّقوس الدّينية، كيلا تذهب روح هكتور إلى دار النّعيم. وإذ ذاك تتدخَّل الآلهة بالأمر، ويأمر زوس بأن تعاد الجثة إلى بريام الذي يأتي ليلًا إلى معسكر اليونان، ثم إلى خيمة أخيل فيمثل بين يديه، ويركع على ركبتيه متوسِّلًا أن يرحم شيخوخته الفانية. وإذ يرى أخيل ذلك الشّيخ البائس يرقّ له ويعطف عليه ويغمره بكرمه، ثم يأمر بغسل الجثة وتسليمها إليه، فيحملها ويغادر المعسكر قبل طلوع الفجر.
وتنتهي الإلياذة وسط خضمٍّ من الصّراخ والعويل ينبعث من أفواه الأيامى والثّكالى اللواتي أصبحن يرسفن بعد فقد أزواجهنّ وأخوتهنّ وأبنائهنّ في قيود الذّل والهوان..
تعدّ الإلياذة لوحة صادقة لحياة اليونان الاجتماعيّة والعسكريّة، ففيها نجد مجتمعًا إقطاعيًّا، نزّاعًا إلى الحرب واستخدام القوّة. بينما تبقى الحرائر في قصورهنّ وقد أحاط بهن الخدم والعبيد، ينسجن القماش ويغزلن الصّوف، يذهب الرجال بعيدًا فيتعرَّضون للحروب والأخطار ثم يعودون بالغنائم والأسرى. ويقدِّم لنا المؤلف فنون الحرب المتّبعة في ذلك العصر من تسليح الجنود والقوّاد، ومن مؤتمرات تعقد بين الرّؤساء ومن ضرب الأسوار، ونزال عام ونزال فرديّ، ومن مشادّة بين الأمراء المتنافسين على الغنائم.
عدد الزوار:1336