أبحاثاللغة والأدب والنّقد

مسرحية الدّولار للكاتب ديفيد بنسكي (تقديم وترجمة)

مسرحية الدّولار للكاتب ديفيد بنسكي (تقديم وترجمة)

The Dollar Play by David Pinsky (Presentation and translation)

د. صالح مهدي حميد الشّكري

Dr. Saleh Mahdi Hamid Al-Shukri

        تاريخ الاستلام 1/8/2024                                               تاريخ القبول 25/ 8/2024

 

توطئة

   ديفيد بنسكي كاتب مسرحيّ وروائيّ من أصول روسيّة، وُلِد في عام 1872 وتُوفّي في العام 1959، وتنقّل بين العواصم موسكو وفيينا ووارسو ونيويورك. تُعَد مسرحيّة الفصل الواحد هذه من بين الأعمال “الدّراميّة الأيديولوجيّة”، فهي تنتمي إلى (مسرح الأفكار)، ما دامت تُعبّر عن مفاهيم العاطفة والاحتجاج. ناهيك عن حجم المغالاة الّتي يُظهرها النّاقد رولاند لويس، فهو يصف الدّراما- ومنها هذا العمل -بأنّها “تجسيد لتفسير الحياة” لذلك فالمسرحيّة “هي القائد والدّليل، كما كانت كلمات الشّعراء القدامى والأنبياء.” من الواضح أيضا أنّ الكثير من النّقّاد والدّارسين قد أعرضوا عن إيلاء هذه المسرحيّة أهميّة مميّزة، بسبب الاهتمام بأعماله المسرحيّة والرّوائيّة الأخرى. نحسب أن بنسكي قد أفلح بِمسرَحة حادثة ذات مفارقة دراميّة. يتحدّث الكاتب نفسه عن ظروف كتابة هذه المسرحيّة عام 1913 فيقول أنّه كتبها عندما كان يعاني من ضائقة اقتصاديّة، وسعى الى التّخفيف من آثارها الموجعة عن طريق الضّحك من القلب عليها، للنّيل من ذلك “الدّولار الأعظم!” والسّخرية منه كما فعل ذلك في أعمال دراميّة.

نزعم أن (الدّولار) مسرحيّة “رمزيّة” على اعتبار أنّها استعارة مجازيّة   Allegorical))؛ فالدّولار يُعَد رمزًا (للسّلطة)، فعند انتقاله بين (الممثّل الكوميديّ) و(الرّجل الشّرّير)، تنتقل معه السّلطة وقوّة التّحكّم والقرار بمصير الآخرين من أعضاء الفرقة الّذين لا يتوانون عن التّعبير عن تبجيلهم لتلك السّلطة. في مشهد سجود (الممثّل التّراجيديّ) أمام الدّولار، يتحدّث عمّا يعنيه الدّولار لهم جميعا. يقول (الممثّل التّراجيديّ): ” أيّها الدّولار المقدّس، آه، يا حاكم الوجود الأعظم؛ نسجد أمامك على ركبنا في التّراب ونبعث إليك بصلواتنا القلبيّة المهيبة. أيدينا مكتوفة، وقلوبنا تناضل صوبك، وأرواحنا تحنو إليك. آه، يا ملك الملوك الأعظم، أنت الّذي يجمع المنفصلين عن بعضهم معا، وأنت الّذي تفرّق القريبين عن بعضهم، وأنت الذي ــــ”

إزاء الوظيفة المجازيّة ذات المفارقة للدّولار، يستطيع المتلقّي أن يكتشف قيمة رمزيّة ودلاليّة للويسكي أيضا. لا ريب أن الكاتب يُدلّل أنّ (صاحب السّلطة) يستنجد بالشّراب لإبعاد اهتمام الجميع عمّا يحيط بهم من مصاعب، وبالتّالي تُتاح له الفرصة للانفراد بـ(السّلطة) وجني ما يروم من أرباح ومنافع.: ناهيك عن اختلاف أدواتها وسبلها، تمارس السّلطة عمليّات (التّخدير) لتتمكّن من الاستحواذ على كلِّ شيء. فعلى الرّغم من أنّ أعضاء الفرقة لا يحتسون شراب الويسكي حقّا وإنّما يشمّون رائحته فقط، إلاّ أنهم تناسوا جميعا موضوعة (الدّولار) والأزمة المحيطة بقدرهم. يشير بنسكي في (التّوجيهات المسرحيّة) إلى انشغال افراد الفرقة بالشّراب وتناسيهم حقيقة أنهم عالقون دون طعام ينتظرون الوصول الى “فندق لَم يُنشأ بعد”، فيبدأ الجميع بالتّعبير عن النّشوة: ” الرّجل العجوز يضحك، ويفرك بيديه. تنهض المرأة العجوز دون مبالاة وتتقدّم دون اكتراث صوب القارورة. البطلة والفتاة السّاذجة تمسكان ببعضهما وتندفعان بخطوات (باليه) بإيقاع (الفالز) يقترب الجميع من الممثّل الكوميديّ ورقابهم ممدودة بتلهّف، ويشمّون بداخل القارورة الّتي يمسك بها الممثّل الكوميديّ بكلتا يديه بقوة”، حتى يصحو الجميع على خطاب الرّجل الشّرّير: ” إنّني مفوّض الدّولار الأعظم المُطلق، لذلك فأنا الحاكم الأعظم، لذلك فأنا الحاكم الأعظم نفسه. على ركبكم، أمامي!”

لا ريب أنّ الكاتب المسرحيّ قد أدرك ، بشكل مبكرٍ، أيديولوجيا  تأثير “الثّورة الصّناعية” على مستقبل البشريّة، والتّحوّلات الماديّة الحاكمة لتصرفات كلّ من السّلطة\الحاكم والمحكوم. من الجليّ أنّ الدولار، رمزًا، هو سبب الشّرور البشريّة، ناهيك عن تأثيره على التّبدّل المؤلم الذي يَطال السًّلوكيّات البشرية؛ فمن أجل المال\السّلطة يتخاصم أعضاء الفرقة\أبناء الشّعب الواحد ويتقاتلون متنازلين عن جميع القيم النّبيلة الّتي تحفظ كرامة الانسان وقيمه: لا تتردّد الفتاة السّاذجة والمرأة العجوز والبطلة عن فعل أيّ شيء، كما هو الحال مع أعضاء الفرقة الآخرين. لعلّ السّؤال الذي تجيب عنه المسرحيّة هو أنّ الإنسان، أمام فقده لقوّته وماله وسبل عيشه، لن يتردّد عن التّنازل عن قيمه البشريّة. هنا، إذًا، يكمن النّقد الأيديولوجيّ للماديّة، فالعمل، على حدّ زعمنا، استشراف لما آل إليه استشراء القيم الماديّة على حساب القيم الإنسانيّة\البشريّة.

يثير المشهد الختاميّ تساؤلا مستقبليّا، وهو أنّ النّزوع نحو الحصول على السّلطة يتناسل؛ فالغريب باستعماله السّلاح يؤشّر تنامي وسائل الوصول الى السّلطة.

 

 

الشّخوص

 

الممثّّل الكوميديّ

الرّجل الشّرير

الممثّل التّراجيديّ

الرّجل العجوز

البطلة

الفتاة السّاذجة

المرأة العجوز

الرّجل الغريب

 

(مفترق طرق على حافّة غابة. يمتد أحد الطّرق من اليسار الى اليمين؛ يتقاطع الآخر مع الأوّل بشكل مائل، ويختفي داخل الغابة. يُحدّ العشب جانب الطّريق. على اليمين هناك علامة دلالة؛ وعليها تمّ تثبيت لوحتين تشيران إلى الاتجاه والمسافة.)

(مساء أحد أيّام الصّيف. تدخل فرقة تمثيليّة جوّالة عالقة من اليسار. يبدو الممثّلون مرهقين وَرِثاث الثّياب. يدخل الممثّل الكوميديّ أوّلًا وهو يحمل حقيبة سفر في كلّ يد، يتبعه الرّجل الشّرير وهو ينقّل من فوق ساعديه رزمتين كبيرتين جدّا، تمّ لفّهما بأغطية فراش. وخلفه في الحال يظهر الممثّل التّراجيديّ والممثّل الّذي يؤدّي دور الرّجل العجوز وهما يحملان سويّة جذعا كبيرا وثقيلا.)

الممثّل الكوميديّ: (يخطو صوب علامة الدّلالة، وهو يقرأ الاتّجاهات على اللّوحات ويقدّم الشّرح لزملائه الممثّلين الّذين يقتربون منه.) ذاك الطّريق (يؤشّر نحو اليمين ويهزّ بالحقيبة – للإشارة الى الاتّجاه) طوله ثلاثين ميلا. هذا الطّريق (يؤشّر صوب اليسار) طوله خمسة وأربعون – وذلك الطّريق بطول ستّة وثلاثين. والآن، اختاروا بأنفسكم المدينة الّتي لن تصلوها هذا اليوم أبدا. أقرب طريق لنا هو العودة الى حيث كنّا، وحيث كانت تلاحقنا أغلب صيحات القطط الرّائعة التي توّجت دوما نجاحاتنا الهستيريّة.

الرّجل الشّرّير: (يشعر بالإعياء) مَن يُعينني على مسح عرقي؟ له طريقة مزعجة ليجري الى داخل فمي.

الممثّل الكوميديّ: شَغّل عقلك، ودع عندها ماء عرقك أكثر نفعا ليسقي التّربة.

الرّجل الشّرّير: أوه!

(يخفض ساعديه ويُسقِط الرّزمتين أرضا، ويلقي بعدها بنفسه جالسا فوق إحداهما وهو يمسح العرق، ويحرّك يده بإعياء على وجهه. يقترب الممثّل التّراجيديّ والرّجل العجوز من العلامة ويقرآن الإشارات.)

الممثّل التّراجيديّ: (بصوت مسرحيّ) لا أمل! ليس هناك أيّ أمل!

(يُسقِط نهاية الجذع من جهته أرضًا.)

الرّجل العجوز: (يُسقِط نهاية الجذع من طرفه.) أممممم. توقّف آخر.

(يجلس الممثّل التّراجيديّ على الجذع بوضع بطوليّ-تراجيديّ، وركبتاه تبتعدان كثيرًا عن بعضهما، ومرفقه الأيمن فوق ركبته اليمنى، ويده اليسرى على ساقه الأيسر، ورأسه ينحني قليلا نحو اليمين. يضع الممثّل الكوميديّ الحقيبتين أرضًا ويقلّب سيكارةً. يجلس الرجل العجوز فوق الجذع، ورأسه غارقٌ على صدره.)

الرّجل الشّرّير: ثلاثون ميلا لأقرب مدينة! ثلاثون ميلا!

الممثّل الكوميديّ: يا لها من فضيحة أن ينقل النّاس مدنهم بعيدًا عنّا بهذا القدر.

الرّجل الشّرّير: سوف لن نحظى بمدينة حتّى بعد الغد.

الممثّل الكوميديّ: مرحى! تلك ضربة حظّ لك! وهنالك بَعدٌ يوم بعد الغد لنا!

الرّجل الشّرّير: وما زالت النّساء العجائز يزخفن خلفنا!

الرّجل العجوز: يطالبن بحقّ التّصويت وهنّ لا يستطعن حتّى السّير.

الممثّل الكوميديّ: سوف لن نمنحهنّ حقّ التّصويت؛ تمّ حسم هذا الموضوع. يسقط حقّ التّصويت للمرأة!

الرّجل الشّرّير: يبدو أنّ حتّى الشّيطان نفسه لا يستطيع النّيل منك! لا يتعب لسانك، ولا حتّى قدماك. إنّك تثير أعصابي. هيّا اجلس واغلق فمك لحظة.

الممثّل الكوميديّ: أنا؟ ها – ها—ها! سأعود هناك حيث أجد سيّدة قلبي. سألتقيها وآتي بها الى هنا على ذراعي.

(يبصق في يديه، ويشمّر عن ذراعيه، ويخطو بسرعة خارجا من اليسار.)

الرّجل الشّرّير:  مهرّج!

الرّجل العجوز: كيف يمكنه الضّحك وعمل مقالبه حتى في هذا الوقت؟ لم يبق في أرواحنا أدنى ذرّة، ومخزون طعامنا يتناقص دوما وأحذيتنا تبلى.

الممثّل التّراجيديّ: (غاضبا) توقّف! لا وقت لتصفية حسابات! فأعداد ذنوبنا هائلة وحكاية محننا أكثر هولًا حتّى. يا أبانا المقدّس! قواريرنا فارغة؛ وسأتخلّى عمّا بَقي من نعال حذائي!  (يستعرض حذاءه البالي) من أجل رائحة الويسكي فقط.

(تُسمَع ضحكات امرأة من جهة اليسار. يدخل الممثّل الكوميديّ حاملا على ساعديه البطلة التي تحيط بيديها حول عنقه وتمسك بحقيبة مستطيلة بيديها الاثنتين من خلف ظهره.)

الممثّل الكوميديّ: (يترك حمولته تسقط أرضا فوق العشب) اجلسي يا حبيبتي، وارتاحي. لن نسير أبعد هذا اليوم. قدماك، قدماك الرّقيقتان لابدّ أنّهما تؤلمانك. كَم أنا حزين لذلك!  في أوّل فرصة، سأشتري لك سيّارة.

البطلة: وفي الوقت ذاته، ربّما ستحملني أكثر.

الممثّل الكوميديّ: يسمعك وحش الأحمال ويطيع.

(تدخل الفتاة السّاذجة والممثّلة الّتي تلعب دور المرأة العجوز ويحمل كلّ منهما حقيبة مستطيلة صغيرة الحجم.)

الفتاة السّاذجة: (مرهقة وعابسة) آه! ما حملني أحد.

(تجلس على العشب على يمين البطلة.)

الرّجل الشّرّير: معنا حمار واحد فقط.

(يمدّ بجسده عند قدمي البطلة فوق العشب ويقلّد نهيق الحمار. تجلس المرأة العجوز فوق العشب على يسار البطلة.)

المرأة العجوز: وهل علينا أن نقضي اللّيل هنا؟

الرّجل العجوز: كلّا، سنتوقّف عند (فندق لم يُنشأ بعد).

الممثّل الكوميديّ: ألا يعجبك مقام ليلتنا؟ (يتحوّل نحو المرأة العجوز). انظري، فالسّرير واسع وعريض، وخال من الحشرات. تشعرين فقط بالعشب العالي. لم يسعك يوما النّوم على سرير بهذه الرّقّة، وستكون لك أغطية مطرّزة بالقمر والنّجوم، وهي أغطية لم تمتلكها أبدًا عروس ملكيّة.

المرأة العجوز: أنت تضحك، وأنا أشعر بأنّي أبكي.

الممثّل الكوميديّ: تبكين؟ يجب أن تخجلي من الشّمس الّتي تتفضّل عليك بغروبها الرّائع. انظري، وكوني مُلهَمة!

الرّجل الشّرّير: أجل، انظري وتلاشي!

الممثّل الكوميديّ: انظري، واصرخي بانتشاء!

الرّجل العجوز: انظري، وتفجّري غضبا!

(تبدأ الفتاة السّاذجة بالنّحيب؛ الممثّل التّراجيديّ يضحك بصوت عال.)

الممثّل الكوميديّ: (يحوّل نظره صوب الفتاة السّاذجة) ماذا، أتبكين؟ ألا تخجلي من نفسك؟

الفتاة السّاذجة: أنا حزينة.

المرأة العجوز: (تستنشق) لا أستطيع تحمّل المزيد.

 

البطلة: توقّفي! وإلّا سأبدأ بالصّراخ أيضا.

(يقفز الممثّل الكوميديّ على ركبتيه ويحدّق بسرعة بامرأة بعد أخرى.)

الرّجل الشّرّير: ها ها ها! ادخل عليهن البهجة، أيّها المهرّج!

الممثّل الكوميديّ: (يقفز عاليا على نحو مفاجئ دون مساعدة يديه.) أيّها السّيدات والسّادة، لقد وجدتها! (بصوت غنائيّ قياسيّ) سيّداتي وسادتي، لقد وجدتها!

البطلة: ماذا وجدت؟

الممثّل الكوميديّ: البهجة.

الرّجل الشّرّير: اذهب، وادفن نفسك بالتّراب، أيّها المهرّج.

الممثل التّراجيديّ: (كما في السّابق) هوو- هوو- هوو!

الرّجل العجوز: أو-و-و-وف!

(تبكي النّساء كلّهنّ بأعلى صوت.)

الممثّل الكوميديّ: لديّ ــــــــ قنّينة من الويسكي!

(هياج جماعيّ. تتوقّف النّساء عن البكاء وتنظر نحو الممثّل الكوميديّ باستغراب: يعدّل الممثّل التّراجيديّ من نفسه ويلقي نظرة استغراب على الممثّل الكوميديّ؛ يقفز الرجل العجوز وهو يفرك بيديه عاليًا على قدميه؛ ينظر الرّجل الشّرّير بريبة نحو الممثّل الكوميديّ.)

الممثّل التّراجيديّ: قنينة من الويسكي؟

الرّجل العجوز: هو – هو – هو – قنينة من الويسكي.

الرّجل الشّرّير: أممممـ ــــ قنّينة من الويسكي.

الممثّل الكوميديّ: أتراهن! قنّينة من الويسكي، مخفيّة ومحفوظة لمثل هذه اللّحظات،

لحظات الكآبة الذّكوريّة والدّموع الأنثويّة. (يُخرج القارورة من جيبه على الورك. تتغيّر جميع التّعابير على الوجوه من الأمل إلى الخيبة.)

الرّجل الشّرّير: وتسمّي ذلك قنّينة، انا اسمّيها قارورة.

الممثّل التّراجيديّ: (منفجرا) كشتبان!

الرّجل العجوز: قطّارة!

المرأة العجوز: لنا نحن السّبعة! أوه!

الممثّل الكوميديّ: (يحمل القارورة لتتلألأ بنور الشّمس،) لكنّه الويسكي، يا أبنائي. (يفتح سدّادة القارورة ويشمّ بداخلها.) هذا ويسكي لكم. سيمتنع مالك الحانة الذي خطفتها منه عن تناول الخمور بسبب اليأس وحده.

(يقف الممثّل التّراجيديّ بتثاقل، ويتقدّم ببطء نحو القارورة. الرّجل العجوز يضحك، ويفرك بيديه. تنهض المرأة العجوز دون مبالاة وتتقدّم دون اكتراث صوب القارورة. البطلة والفتاة السّاذجة تمسكان ببعضهما وتندفعان بخطوات (باليه) بإيقاع (الفالز) يقترب الجميع من الممثّل الكوميديّ ورقابهم ممدودة بتلهّف، ويشمّون بداخل القارورة الّتي يمسك بها الممثّل الكوميديّ بكلتا يديه بقوّة.)

الممثّل التّراجيديّ: هوو! هوو! هوو! جميل!

الرّجل العجوز: هه! هه! هه! كميّة صغيرة، لكنّها نوعيّة ممتازة!

الرّجل الشّرّير: يبدو أنّه ويسكي من النّوع الجيّد.

البطلة: (ترقص وتغنّي) يا صاحبي الكوميديّ؛ رأسه في المكان المناسب، لكن لِمَ لَمْ تخطف قنينة أكبر؟

الممثّل الكوميديّ: آه يا حبيبتي. كان عليّ أن آخذ بعين الاعتبار كلّا من نوعيّة الويسكي وحجم جيبي.

الرّجل العجوز: آه، لو كان فقط المزيد منه للقيام برقصة!

الفتاة السّاذجة: آه، أشعر بالحزن ثانية.

الممثّل الكوميديّ: ابتهجوا، سيكون هناك ما يكفينا. جميعا، ابتهجوا: هلمّوا هنا، ووشمّوا ثانية.

(يقوم الجميع بالشّم، وتظهر علامات الفرح من جديد. يمسك الجميع يدا بيد، يرقصون ويغنّون في الوقت الذي يعملون دائرة. الممثّل الكوميديّ بصفّق.)

الممثّل الكوميديّ: حسنا! إذا أنتم فرحون بهذا القدر بمجرّد شَمّ رائحة الشّراب، فكيف لا تشعرون بمثل هذا بعد احتسائه. انتظروا. سأنضمّ إليكم.

(يخفي قارورة الويسكي في جيبه.) سأريكم جولة جديدة من الرّقص سنقوم بها في عرضنا القادم من مسرحيّة (هاملت) توعيةً لجمهورنا الموقّر. (يركل برجله جزمتي الرّجل الشّرّير بعيدا عن الطّريق.) المكان سالك؛ والآن إلى الرّقصة والمسرحيّة. نظّموا دائرة، لكن بالنّسبة لك أيها الرّجل الشّرّير، ابق خارج الدّائرة. عليك أن تحاول الانضمام إلينا ونحن نرقص، ونحن لن نسمح لك بذلك دون أن تتناغم خطواتك مع خطواتنا.  أفهمتَ؟ فالآن إذا!

(يتمّ تنظيم دائرة وفق التّسلسل الآتي: الممثّل الكوميديّ، فالبطلة، فالممثل التّراجيديّ، فالمرأة العجوز، فالرّجل العجوز، فالفتاة السّاذجة.)

الممثّل الكوميديّ: (واقفا)

أكون أو لا أكون، تلك هي المسألة.

تلك هي المسألة. تلك هي المسألة.

مَن سيدخل

عليه أن يتسلّق من فوقنا،

وإذا لا يمكنه ذلك من فوق

فعليه أن يَظلّ تحتنا.

الجميع: ترالّلّا، ترالّلّا،

من فوقنا، تحتنا،

ترالّلّا، ترالّلّا،

من فوقنا، تحتنا

والآن نحن فرحون: سعداء نحن.

الممثّل الكوميديّ: أكون أو لا أكون، تلك هي المسألة.

تلك هي المسألة. تلك هي المسألة.

لتضمن النّجاح في الحياة،

ادفع بمرفقك لتشقّ طريقك

زاحم الشّخص التّالي بمنكبك،

وإلّا فهو سيزاحمك.

الجميع: ترالّلّّا، ترالّلّا،

من فوقنا، تحتنا،

ترالّلّا، ترالّلّا،

من فوقنا، تحتنا

والآن نحن فّرحون: سعداء نحن.

(عند الكلمة الأخيرة من اللّازمة، يتوقّف الجميع كما لو أنّه قد وقف على رؤوسهم الطّير؛ وقفوا متصلّبين وعيونهم تتّجه نحو بقعة واحدة داخل الدّائرة. ينحني الرّجل الشّرّير فوق سواعد الممثّل الكوميديّ والبطلة. تقترب الدّائرة تدريجيّا من بعضها حتّى تقترب الرّؤوس من التّماس مع بعضها تقريبا. يحاول الجميع تحرير أيديهم، لكنّ كلّ واحدٍ منهم يمسك بالآخر، ويهمس الأشخاص السّبعة جميعا بذهول كبير.)

الجميع: الدّولار!

(تتقلّص الدّائرة من جديد، ويتصاعد الصّراع لتحرير أيديهم ليصبح أكثر ضراوة. يحاول الرّجل الشّرّير أن يتسلّق فوق أيديهم؛ ومن ثمّ من تحتها ليكون داخل الدّائرة، ويمدّ يده بعيدا صوب الدّولار، لكنّه يُوقَف غرائزيّا بفعل الاثنين اللّذين يحاول المرور بينهما، حتى عندما لا يمكن رؤيته، بل يتمّ الشّعور به فقط. من جديد، يحني الجميع رؤوسهم باتجاه الدّولار، وهم ضائعون بالكامل في تأمّلاتهم به، وهم يتهامسون ومنتشون.)

الجميع: الدّولار!

(في الوقت الذي ينفصل أحدهم عن الآخر من جديد، ينظر الجميع الى بعضهم بنشوة، وفي الوقت عينه يحاولون تحرير أيديهم؛ وثانية يلفّهم الاستغراب بانتشاء.)

الجميع: دولار!

(يصبح الصّراع لتحرير الأيدي بعدها أكثر ضراوة، فأكثر. يتمّ الإمساك باليد التي تتحرّر صدفة من قبل اليد التي كانت تمسك بالدّولار.)

الفتاة السّاذجة: (بألم) آه، يَديّ، يديّ! اتركوا يديَ!

المرأة العجوز: إذا لم تتركوا يَديّ، سأعضّكم. (تحاول أن تعضّ يدي الممثّل التّراجيديّ والرّجل العجوز في الوقت الذي يحولان دونها.)

الرّجل العجوز: محاولا تحرير يديه من قبضتي البطلة والمرأة العجوز.) اتركوني وشأني. بقوة بيديّ.

البطلة: (تخاطب الممثّل الكوميديّ) لكن؛ ألا تترك يديّ.

الممثّل الكوميديّ: أظنّ أنّ يديك هما اللّتان تمسكان بيدي بقوّة.

البطلة: لِمَ كان عليّ أن أمسك بك؟  إذا ما استحوذتَ على الدّولار، فما هو لكَ، هو لي، كما تعلم.

الممثّل الكوميديّ: إذا، اتركي يَديَ وسأحصل عليه.

البطلة: كلا. اُفضّل أن أحصل عليه بنفسي.

الممثّل الكوميديّ: توقّعتُ منك شيئا من هذا القبيل.

البطلة: (غاضبة) اترك يَديّ. هذا كلّ ما في الآمر.

الممثّل الكوميديّ: ها! ها! ها! يا لها من نكتة عظيمة. (بنبرة أمر) اهدئي. (يصبحا هادئين) علينا أن نتأمل الدّولار باحترام قدسيّ. (باضطراب) أقول الزمي الهدوء! ــــ فالدّولار سيوزّع بيننا وأمامنا؛ دولار حقيقيّ في وسط دائرتنا، وكلّ ما بداخلنا يدفعنا نحوه، يدفعنا دون مقاومة. التزمي الهدوء! تذكّري أنّك أمام الحاكم، أمام الأعظم. اجثي على ركبتيك أمامه وصلّي. وأنت على ركبتيك. (يجثو على ركبتيه ويسحب البطلة والفتاة السّاذجة معه.)

الرّجل العجوز: (يسقط على ركبتيه ويسحب المرأة العجوز معه.) هه! هه! هه!

الممثّل التّراجيدي: هوو، هوو، هوو. مهرّج!

الممثّل الكوميديّ: (مخاطبا الممثّل التراجيديّ) أنت لست أهلًا للقناع الجادّ الّذي تضعه، فأنت لا تحترم الإرادة الإلهيّة الحقيقيّة. على ركبتيك، وإلّا فأنّك لن تحصل على أيّ ويسكي.

(يهوي الممثّل التّراجيديّ على ركبتيه) آه، أيها الدّولار المقدّس، آه، يا حاكم الوجود الأعظم؛ نسجد أمامك على ركبنا في التّراب ونبعث إليك بصلواتنا القلبيّة المهيبة. أيدينا مكتوفة، وقلوبنا تناضل صوبك، وأرواحنا تحنو إليك. آه، يا ملك الملوك الأعظم، أنت الّذي يجمع المنفصلين عن بعضهم معا، وأنت الّذي تفرّق القريبين عن بعضهم، وأنت الّذي ـــــ

[يقف الرّجل الشّرّير خارجا ويقوم بقفزة كاملة، فيبعد الفتاة السّاذجة، ويمسك بالدّولار. يتحرّر الجميع عن بعضهم ويسقطون فوقه، وهم يصرخون ويتصايحون، ويتدافعون، ويتقاتلون. أخيرا، يتمكن الرّجل الشّرّير من تحرير نفسه، ويمسك بالدّولار بقبضة يده اليمنى. يلحق به الآخرون بقبضات مُحكمة وعيون حادّة وأفواه مزبدة، وهم يصرخون.]

الجميع: اترك الدّولار، اترك الدّولار!

الرّجل الشّرّير: (بغضب جامح) كلّا، كلّا. (خلال تلك اللّحظة، تنظر الجهات المتنازعة إلى إحداها الأخرى بكراهية. بهدوء، لكن بحقد.) علاوة على ذلك، لِمَنْ يُفترَض أن اُسلّمه؟ لكَ ـــ لكِ ــــ لكَ ـــ لكِ؟

الممثّل الكوميديّ: ها! ها! ها! ها! إنّه على حقّ. فالدّولار هو حقّ له. هو يمتلكه، لهذا فهو له. ها! ها! ها ها! أنا رغبتُ أن أزحف على ركبتيّ نحو الدّولار، واتلقّفه بأسناني. ها ها ها ها! لكنه تحرّك قبلي نحوه. ها! ها! ها!

البطلة: (تهمس بغضب) ذلك لأنّك لم تحرّر يديّ.

الممثّل الكوميديّ: ها! ها! ها! ها!

الممثّل التّراجيديّ: (يهزّ قبضته بوجه الرّجل الشّرّير) بحقّ الجنّة والنّار، أشعر أنّي سأسحقك!

(يخطو جانبا نحو الجذع ويجلس وهي على هيئته السّابقة. الفتاة السّاذجة وهي مستلقية على العشب، تبدأ بالبكاء.)

الممثّل الكوميديّ: ها ـــ ها ـــ ها ـــ ها. والآن سوف نحتسي الشّراب، وأوّل من يفعل ذلك هو الرّجل الشّرّير.

(يتمّ قبول عرضه بوجوم؛ على كلّ حال، تتوقّف الفتاة السّاذجة عن البكاء؛ يقف الرّجل العجوز والمرأة العجوز الى جانب الرّجل الشّرّير وهما ينظران الى الدّولار في يده كما لو أنّهما ينتظران اللّحظة المناسبة لخطفه منه. أخيرًا تقوم المرأة العجوز بعمل علامة احتقار ويستدر كلاهما بعيدًا عن الرّجل الشّرّير. بعد أن شعر بالأمان، يسوّي الأخير سطح الدّولار، وتظهر على وجهه التّعابير الجادّة. يُقدّم الممثّل الكوميديّ له قدحا صغيرا من الويسكي.)

الممثل الكوميدي: اشرب أيّها المحظوظ.

(يغلق الرّجل الشّرّير بقبضته على الدّولار، ويتسلّم قدح الويسكي بوقار وبسرعة. يحتسي المحتويات ويعيد القدح؛ بعدها يبدأ بتسوية سطح الدّولار ويقبّله من جديد، وهو لم يزل ضاحكا. يُمَرر قدح الويسكي من شخص الى آخر بين المجموعة الذين يحتسون الشّراب بكآبة. يُخفق الويسكي بإحداث النّشوة. بعد شرب الويسكي، تبدأ الفتاة السّاذجة بالنّشيج ثانية. البطلة، وهي آخر من تناول القدح، ترمي به فارغا نحو الممثّل الكوميديّ.)

الممثّل الكوميديّ: رَمية جيدة. الآن سأشرب كلّ ما بقي في القنّينة.

(يأتي بالقارورة قرب شفتيه ويشرب. تحاول البطلة إسقاطها بعيدا عنه، لكنّه يتجنّب ذلك بمهارة.  يواصل الرّجل الشّرّير تسوية سطح الدّولار وتقبيله.)

الرّجل الشّرّير: ها ـــ ها ـــ ها ـــ . . . (يغنّي ويرقص)

مَن يحاول الدّخول

عليه أن يقفز من فوقنا.

هوو! هوو! هوو!  أيّها الدّولار المبجّل! يا حاكم العالم الأعظم! أنت يا ملك الملوك! ها! ها! ها! ها! لا تظنّوا أنّي إن حصلتُ على الدّولار، وأنتم لم تحصلوا عليه، بأنّي أتقاسم بجزء من جلالته؟ يعني ذلك أنّي الآن جزء من جلالته. ذلك يعني أنّني مُفوّض الدّولار الأعظم المطلق، لذلك فأنا الحاكم الأعظم، لذلك فأنا الحاكم الأعظم نفسه. على ركبكم أمامي! . . . ها! ها! ها!

الممثّل الكوميديّ: (بعد رمي القارورة الفارغة بعيدا، يتمدّد على العشب.) زَئِرتَ حسنا، أيّها الأسد، لكنّك نسيت، نسيت أن تخفي اُذني الحمار.

الرّجل الشّرّير: إنّّه وعي الفرد بالسّلطة. ها! ها! ها! ها! أنا أعرف، وأنت تعرف بأنّني عندما أمتلك المال، فأنا أمتلك القرار. تذكّروا، لا أحد بينكم يمتلك سنتا واحدًا باسمه. لقد نَضِبَ الويسكي. (يحمل القارورة عاليا ويتفحّصها.)

الممثّل الكوميديّ: أنجزتُ عملي جيّدا. شربته حتّى الثّمالة.

الرّجل الشّرّير: أجل. حتّى الثّمالة، وهذا المساء ستحصل على الخبز والنّقانق؛ كميّة صغيرة جدّا أيضا، لأنّ الغد هو يوم آخر (الفتاة السّاذجة تبكي بشكل متكرّر)، فلا يمكننا الوصول الى مدينة، حتّى يوم بعد الغد. لا يعني ذلك أنّكم تحصلون على أيّ شيء تأكلونه هناك أيضا، لكنّي أنا ـــ أنا ـــ أنا ــــ أنا. ها! ها! ها! ها! آه، أيّها الدّولار المقدّس، الدّولار الأعظم. (بوجاهة) مَنْ يطع أوامري، سوف لن يكون دون طعان.

الممثّل الكوميديّ: (بعينين واسعتين ومفتوحتين) ماذا؟

(تنهض الفتاة السّاذجة وترمي بنفسها على صدر الرّجل الشّرّير)

الفتاة السّاذجة: آه، يا حبيبي العزيز.

الرّجل الشّرّير: سلطتي قد أعلنت عن نفسها  توّا.

البطلة: (تدفع الفتاة السّاذجة بعيدا) اتركيه وشأنه؛ أنت! فهو قد طلب عشقي زمنًا طويلًا، والآن سيجده.

الممثّل الكوميديّ: ماذا؟ أنتِ؟!

البطلة: (تخاطب الكوميديّ) أكرهك أيّها الخائن. (تخاطب الرّجل الشّرّير) كنت أعشق العبقريّ دوما. أنت الآن الأكثر حكمة بين الحكماء. وأنا أعبدك.

الممثّل الكوميديّ: (شبه واقف على ركبتيه) توقّفي. أنا أحتجّ. (يرمي بنفسه فوق العشب) “آه، أيّتها الخيانة، فاسمك المرأة.”

المرأة العجوز: (تقترب من الرّجل الشّرّير من الخلف وتحتضنه) جد لي مكانًا صغيرًا على صدرك. أنا أمثّل المرأة العجوز، لكنّك تعرف أنّني لست عجوزًا.

الرّجل الشّرّير: الآن، أنا أمتلك السّلطة كلّها، والحبّ كلّه.

الممثّل الكوميديّ: لا تسمِّه حبًّا. سمِّه ذلًّا وخنوعًا.

الرّجل الشّرّير: (يحرّر نفسه من النّسوة) والآن لديّ شيء أكثر أهميّة للقيام به يا توابعي ـــ أقصدكم جميعا ـــ لقد قرّرتُ ألّا نبقى اللّيلة هنا. سنواصل المسير أكثر.

النّسوة: كيف ذلك؟

الرّجل الشّرّير: نواصل السّير إلى الأمام هذه الليّلة.

الممثّل الكوميديّ: قد قرّرتَ هكذا؟

الرّجل الشّرّير: قرّرتُ هكذا، وهذا وحده سيكون كافيًا لكم، لكنّه ، بناءً على عادة قديمة، سأشرح لكم

لِمَ قد قرّرتُ ذلك.

الممثّل الكوميديّ: احتفظ بالشّرح لنفسك، ومن الأفضل ألّا تقطع تأمّلاتي بمنظر غروب الشّمس.

الرّجل الشّرّير: سأضعك على القائمة السّوداء! سيكون ليس من مصلحتك الكلام ضدّي. الآن إذًا. دونما شرح، سنذهب ـــ وفي الحال. (لا يتحرّك أحد.) حسنًا إذًا. أذهب بمفردي.

النّسوة: كلّا. كلّا.

الرّجل الشّرّير: ماذا تقصدن؟

الفتاة السّاذجة: أنا أذهب معك.

البطلة: وأنا.

المرأة العجوز: وأنا.

الرّجل الشّرّير: طاعتكم لي تشرّفني كثيرا جدًّا.

الرّجل العجوز: (وهو يجلس دون اكتراث على الجذع) ما الشّيطان الذي يحثّك على الذّهاب؟

الرّجل الشّرّير: رغبتُ أن أشرح ذلك لكم، لكن لا مزيد الآن. لست مدينا لكم بالشّرح. لقد قرّرت ـــ أنا أرغب بالذّهاب، وهذا كافٍ.

الممثّل الكوميديّ: يمثّل مسرحيّته الكوميديّة بشكل رائع. هل ساورك الشّك أبدًا أنّ هناك الكثير من الفطنة في رأس الخسّ، خَسّ-ه رأ ــــــ …..

الممثّل الكوميديّ: ها ـــ ها ـــ ها ـــ ها ــ، ولأيّ مدى ستحافظ على هذا؟

الرّجل الشّرّير: نبدأ حالا، لكنّه عليّ أن أدفع ثمن طعامكم؛ وأنا لا أحمل أيّ متاع. ستتقاسمون حمل رزمتي بينكم، وبالطّبع أولئك الذين على القائمة السّوداء سيحملون الأمتعة الأكثر ثقلا. هل سمعتموني؟ والآن، تحرّكوا إلى الأمام. أنا ذاهب الآن. سنواصل المسير لأقرب مدينة، وهي على مسافة ثلاثين ميلًا والآن، إذًا، انطلقوا.

الممثّل الكوميديّ: سفرة سعيدة!

النّسوة: (يمارسن معه الحب) آه، يا حبيبنا.

الرّجل الشّرّير: وبمعيّتي جلالة الدّولار ووجبات طعامكم يوم غد.

النّسوة: نحن قادمات. قادمات نحن.

الرّجل العجوز: وأنا معكنّ.

الممثّل التّراجيديّ: (يخاطب الرّجل الشّّرير) أنت شخص حقير ونذل.

الرّجل الشّرّير: أنا لست من مجموعتكم. أنا السّيّد ومانح الخبز.

(يسير نحو اليمين. تأتي النّسوة بحقائبهنّ ويتبعنه.)

الرّجل العجوز: (يخاطب الممثّل التّراجيديّ) انهض واحمل الجذع. سنسوّي الحساب معه في وقت آخر؛ فهو مَنْ يملك الدّولار.

الرّجل الشّرّير: (يخاطب الممثّل التّراجيديّ) في البدء، ضع إحدى حزمتَيّ على ظهرك.

الممثّل التّراجيديّ: (غاضبا) إحدى حزمتيك على ظهري؟

الرّجل الشّرّير: آه، يهمّني حملها. تستطيع أن تضعها فوق رأسك أو بين أسنانك.

الرّجل العجوز: سنضع الحزمة على الجذع.

الممثّل الكوميديّ: (يجلس) انظر هنا؛ هل أنت تمزح أم أنك جادّّ؟

الرّجل الشّرّير: (باحتقار) أنا لا أمزح.

الممثّل الكوميديّ: إذا فأنت جادّ.

الرّجل الشّرّير: لن أقدّم شرحا.

الممثّل الكوميديّ: هل تعتقد ذلك حقا لأنّك تمتلك الدّولار ـــــ

الرّجل الشّرّير: الدّولار المقدّس، الدّولار الأعظم، ملك الملوك.

الممثّل الكوميديّ: (مواصلا) إنّه بسبب ذلك فأنت السّيّد ـــــ

الرّجل الشّرّير: ومانح الخبز والمُعطي.

الممثّل الكوميديّ: وإنّه يجب علينا ـــــ

الرّجل الشّرير: أن تفعلوا ما آمركم به.

الممثّل الكوميديّ: إذًا! فأنت جادّ.

الرّجل الشّرّير: الآن فقط قد صحوت؛ أحمل الأمتعة واتبعني.

الممثّل الكوميديّ: (واقفا) إذًا، فأنا أعلن الثّورة!

الرّجل الشّرّير: ماذا؟ ثورة؟

الممثّل الكوميديّ: دمويّة إذا ما اضطررت.

الممثّل التّراجيديّ: (يُسقِط نهاية الجذع من جهته أرضًا، ويتقدّم متّخذًا وضعًا قتاليًا من الرّجل الشّرّير) سأكون الأوّل الّذي يهدر دمك، أيّها الحقير.

الرّجل الشّرّير: إذا كان الوضع هكذا، فليس لدي شيء أقوله لك. أولئك الّذين يرغبون بصحبتي هيّا إلى الأمام.

الممثّل الكوميديّ: (يقف بطريق الرّجل الشّرّير) كلّا، لن تذهب حتّى تتنازل عن الدّولار.

الرّجل الشّرّير: ها! ها! ها، هذا مضحك!

الممثّل الكوميديّ: هاتِ الدّولار من فضلك، وإلّا ــــ

الرجل الشّرّير: هوو! هوو! هوو!

الممثّل الكوميديّ: إذًا، دعِ الدّم يُسفك هنا. (يُشمّر عن ساعديه)

الممثّل التّراجيديّ: (يخلع سترته) آه، الدّم! الدّم!

الرّجل العجوز: (يُسقِط نهاية الجذع من جهته أرضًا) لن أكون بعيدا عن المعركة.

النّسوة: (يضعن حقائبهنّ أرضًا) ولا نحن. ولا نحن.

الرّجل الشّرّير: (يصرخ) لِمَن سأتنازل عن الدّولار؟ لكَ، لكِ، لكَ، لكِ.

الممثّل الكوميديّ: هذا الحوار لا يفيد أبدا. يجب أن تتنازل عن الدّولار لنا جميعا. في أوّل فرصة، سنقوم بتصريفه وتقسيمه بيننا على أجزاء متساوية.

النّسوة: إلى السّلاح! إلى السّلاح! اقسموه، اقسموه!

الممثّل الكوميديّ: (مخاطبًا الرّجل الشّرّير) وأنا سأكون رجلا طيّبا حتى أننّي سأمنحك حصّة.

الممثّل التّراجيديّ: وأنا اُفضّل أن أعطيه جلدة قويّة.

الممثّل الكوميديّ: سأكون كما قلت. تنازل عن الدّولار.

البطلة: (ترمي بنفسها على صدر الممثّل الكوميديّ) حبيبي الممثّل الكوميديّ! الممثّل الكوميديّ حبيبي!

الفتاة السّاذجة: (تخاطب الرّجل الشّرّير) سئِمتُ منك. تنازل عن الدّولار.

الممثّل الكوميديّ: (يدفع البطلة جانبا) من الأفضل لكِ التّنحي جانبا وإلّا ستنالين الكلمة التي أوجّهها للسيّد ومانح الخبز.

(إلى الرّجل الشّرّير) هيّا، هات الدّولار!

الممثّل التّراجيديّ: تنازل عن الدّولار له، ألا تسمع؟

الجميع: الدّولار! الدّولار!

الرّجل الشّرّير: سأمزّقه إربًا إربًا.

الممثّل الكوميديّ: إذًا، سنقلع ما تبقّى من شَعر قليل فوق رأسك. هاتِ الدّولار بسرعة!

(يحيط الجميع بالرّجل الشّرّير. تقوم النّسوة بسحب شعره، ويمسك الممثّل التّراجيديّ به من الياقة ويهزّه بقوّة. يقوم الرّجل العجوز بصفعه على أمّ رأسه الأصلع، ويصارعه الممثّل الكوميديّ، وأخيرًا يمسك بالدولار.)

الممثّل الكوميديّ: (يرفع الدّولار عاليا) لقد حصلتُ عليه.

(ترقص النّسوة ويغنين.)

الرّجل الشّرّير: قطّاع طرق! لصوص!

الممثّل التّراجيديّ: الزمِ الصّمت وإلّا سأغلق فمك. (يعود الى الجذع ويتّخذ موقفه البطوليّ.)

الممثّل الكوميديّ: (يضع الدّولار داخل جيبه) ذلك ما أسمّيه ثورة بيضاء ناجحة، باستثناء قتالٍ بسيطٍ وتسارعٍ في ضربات القلب فيما يخصّ السّيّد السّابق، ومانح الخبز ـــ اسمعوا، شخص ما يأتي، وربّما يمكنه أن يُصرّف لنا الدّولار، وعندها يمكننا أن نتقاسمه بيننا.

الرّجل العجوز: أنا أستغرب كيف يمكننا تصريفه إلى أجزاء متساوية. (يبدأ العدّ مع الفتاة السّاذجة والمرأة العجوز.)ّ

البطلة: (صاغية بهدوء الى الممثّل الكوميديّ) هل أنتَ غاضب منّي؟ أنا كنت فقط ألعب عليه حتّى أتمكن من إقناعه لأخذ الدولار منه.

الممثّل الكوميديّ: والآن تريدين أن تضحكي منّي للاستحواذ على حصّتي من الدّولار.

الرّجل العجوز: من المحال تقسيم الدّولار إلى أجزاء متساوية. إنّه مستحيل على الإطلاق. لو كان ثمانية وتسعون سنتا، أو مئة وخمس سنتات وــــ

(يدخل الرّجل الغريب من اليمين. يشعر بوجود المجموعة، يحيّيها ويواصل طريقه يسارا. يطلب الممثّل الكوميديّ منه التوقّف.)

الممثّل الكوميديّ: أستميحك عذرا سيّدي. هل نجد لديك صرفا لدولار إلى سنتات أو قروش أو نيكلات. (يُريه الدّولار. يخطو الرّجل العجوز والنّسوة إلى الأمام.)

الرّجل الغريب: (يشعر بالانزعاج قليلا. يبدأ القيام بأمر ما، ويقوم بحركة سريعة ليصل الى جيب مسدّسه. ينظر الى الممثّل الكوميديّ والآخرين ويقول ببطء): تصريف الدّولار؟ (يتحرّك خارج الدّائرة يسارا. أظنّ أن لَديّ هذا.)

النّسوة: هي الحرب!

الرّجل الغريب: (يستدر لدرجة ألّا يكون أحد خلفه، ويسحب مسدّسه.) ارفعوا أيديكم!

الممثّل الكوميديّ: (بصوت ذي نبرة رقيقة) سيّدي العزيز. نحن جميعا مجموعة سلميّة.

(يأخذ الرّجل الغريب الدّولار من الممثّل الكوميديّ، ويسير إلى الوراء يسارا والمسدّس ما يزال مصوّبا نحو المجموعة.)

الرّجل الغريب: ليلة سعيدة جميعا!

(يختفي، ويبقى الممثّلون صامتين خوفا، وأيديهم مرفوعة، وأفواههم مفتوحة، وهم ينظرون الى الفراغ.)

الممثّل الكوميديّ: (ينفجر أخيرًا بضحكة صاخبة) ها! ها! ها! ها! ها!

(ستارة)

 

 

عدد الزوار:27

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى