أبحاثاللغة والأدب والنّقد

المرأة والحبّ في شِعْر جورج شكّور

المرأة والحبّ في شِعْر جورج شكّور

La femme et l’amour dans la poésie de Georges Chaccour

ريما منصور داغر[1]

Rima Mansour Dagher

        تاريخ الاستلام 1/12/2024                              تاريخ القبول 18/12 / 2024

الملخص

تناولَ هذا البحث موضوع المرأة والحبّ في شعر جورج شكّور استندت فيه الباحثة إلى المنهج الموضوعاتي الّذي يقوم على تقصّي أهمّ محاور الدّراسة في منهجيّةٍ نقديّة، ووصفيّة وتحليليّة.

هدَفَ هذا البحث إلى معرفة نظرة الشّاعر الحديث – أنموذج شِعر جورج شكّور – إلى المرأة والحبّ وكيفيّة التّعبير عنهما في الشِعر. مِن هي المرأة الّتي تغزّلَ بها الشّاعر؟ ما هي رؤيته إلى القِيم في موضوع الحبّ وهل يمكنُ التّمييز لديه بين التّرفّع والشّهوة؟ وأيّ نوع من الجمال ألهمَ الشّاعر ودَفَعَهُ إلى الكتابةِ عنهُ؟ الرّوحيّ أم الجسديّ؟ هل أخلص لحبيبة واحدة أم تعدّدت حبيباته؟

كما هدفت الدّراسة إلى تبيان النّزعة الجماليّة في شِعر شكّور من خلال المفردات والرّموز وكثافة الصّوَر، ومعرفة إن كان قد تخطّى في خياله الواقع المُعيش أم أنّه في غزله بالمرأة عبّر عن حال الكثيرين من المحبّين…

وخلُصَتْ الدراسة إلى أنّ شعر شكّور هو قصّة حياة واقعيّة يجمح فيها خياله أحيانًا إلى المبالغة في الصُّوَر، وقد تدرّجتْ من الحبّ الجسديّ وتعدُّد الحبيبات، إلى الإخلاص لحبيبة واحدة وقصّة الحبّ الّتي جمعته بزوجه دوللي، إلى الحب المتّسامي والمترفّع المُحاكي للرّوح. كل هذا بأسلوب تراوح بين الكلاسيكيّة في اعتماد الأوزان الشّعريّة والحداثة في هندسة التّفاعيل والنّسق الطّباعي، كما أنّ قصائده تضمّنت مظاهر من الرّومنسيّة الحالمة، والواقعيّة، والرّمزيّة والبرناسيّة.

الكلمات المفتاحيّة: الحبّ- الغزل- الجمال المادّي – الحبيبة- التّسامي- الحميميّة- اللّذة أو الشّهوة- الإخلاص- تعدّد الحبيبات- المنهج الموضوعاتيّ.

Résumé

Cette étude aborde le sujet de la femme et de l’amour dans la poésie de Georges Chaccour. La chercheuse s’est basée sur une méthodologie thématique qui consiste à explorer les principaux axes de l’étude suivant une approche critique, descriptive et analytique.

Cette dernière cherche à examiner la vision du poète moderne –comme exemple la poésie de Georges Chaccour – concernant la femme et l’amour, ainsi que la manière dont ces thèmes sont exprimés dans les poèmes. Qui est la femme que le poète a courtisée dans ses vers ? Quelle est sa perception des valeurs liées à l’amour et peut-on distinguer chez lui entre l’élévation spirituelle et le désir charnel ? Quelle nature de beauté a inspiré le poète et l’a poussé à écrire sur ce sujet ? La beauté spirituelle ou physique ? A-t-il été fidèle à une seule bien-aimée ou a-t-il aimé plusieurs femmes ?

Cette étude vise de même à montrer la tendance esthétique dans la poésie de Chaccour à travers le vocabulaire, les symboles et la richesse de ses images ainsi que s’il a surpassé la réalité vécue dans son fantasme ou bien, en courtisant lui-même la femme, il a exprimé l’état de plusieurs amoureux…

L’étude a conclu que la poésie de Chaccour reflète une histoire de vie réalistique, où son imagination tend parfois à l’exagération, qui a commencé par un amour physique et par la multiplicité de femmes pour finir à être fidèle à une seule bien-aimée dont l’histoire d’amour entre lui et son épouse, Dolly, pour atteindre enfin l’amour sublime celui qui évoque l’esprit. Tout cela a été écrit suivant un style qui a varié entre le classicisme dans l’utilisation des rythmes poétiques et la modernité dans la structure des vers et du schéma typographique. De ce fait, ses poèmes incorporent des éléments de romantisme rêveur, de réalisme, de symbolisme et de Parnassianisme.

Mots-clés :L’amour-  La sublimation-   Le Donjuanism-  L’intimité – La beauté Physique  -La Bien- Aimée –  Le Plaisir ou La Passion-  La Fidélité-   Le Pluralisme- Approche Thématique.

 

مقدّمة

الشِّعرُ كلماتٌ مَسْبُوكةٌ في قوالبَ متعدِّدةِ الأشكال ومتنوِّعةِ المواضيع، ينقلُ الإنسان إلى فَضاءٍ من نور، يُشِعُّ في العقل والقلب؛ فكَمْ مِنْ شاعِرٍ مرَّ في تراثنا الأدبيّ عَبْرَ التَّاريخ، فطبع بَصَماتِهِ على صفحاتِ الأدب، وكَمْ من شاعرٍ مرَّ شِعْرُهُ كَحَبَّاتِ الرِّمال المُبَعْثَرة.

من هٰذا المنطلق، كان ﭐختيار دراسة شِعْر جورج شكُّور، بعد قراءةِ دواوينِه وَلَحْظِ النّزعة الجَماليّة في شِعرِهِ وغَزَلِهِ المتنقِّل بينَ التَرَفُّع والشَّهوة؛ فكانَ عُنوانُ الدّراسة: الحُبّ في شعر «جورج شَكُّور»، في دواوينه: “وَحْدَها القمر”، و”زهرة الجَمالِيا”، و”مِرْآة مِيرا”، و”ذَهَب الغَزَل”.

تتطلَّب دراسة شِعر الحبّ في أدب جورج شكُّور طَرْحَ إشكالِيَّات، منها: ما رؤية شكُّور إلى القِيَم؟ وإلى أيِّ مَدىً تَحَقَّقَتْ في موضوع الحُبّ؟ وهل طَرَحَ مَوضوع الحُبّ بعيدًا مِنَ اللّذّة؟ وإلى أيِّ مَدى يُمكِنُ التَّمييز في شعره بَيْنَ التَّرَفُّعِ والشَّهوة؟

تَقودُنا هذه الإشكاليَّات المطروحة إلى فرَضِيَّات نذْكُرُ منها، أنّه قد يكون ٱرتباط اللّذّة  بِبُعدَيْها الحِسِّيِّ والجَسَديِّ، طريقًا للوصول إلى اللَّذَّة الرُّوحيَّة، أو طريقًا لإرضاء حالةٍ نفسِيَّةٍ في إثبات الذَّات، وقد يكون التَّرَفُّعُ أَوِ التَّعَفُّفُ لَدَيه، راجِعًا إلى التَّأَثُّر بالدِّينِ المسيحيِّ الَّذي ينتمي إِلَيه، أو إلى التَّربية المُحافِظة بشكلٍ عامٍّ؛ ولمعرفةِ ذلك تعتمدُ هذه الدّراسة على المنهجَ المَوْضُوعاتِيَّ أو المَنْهَجَ التِّيماتيَّ Thématique»» الَّذي يَقُومُ على تَقَصِّي أَهَمِّ المَحَاورِ الغَالِبَةِ على مَوْضُوْعَاتِها في مَنْهَجِيَّةٍ نَقْدِيَّةٍ، وَوَصْفِيَّةٍ، وَتَحْليْلِيَّةٍ؛ كما يَنْظُرُ هذا المنْهَج إِلى العَمَلِ الأَدَبِيِّ كَمَوْضُوعِ تَجْرِبةٍ أَكْثَرَ مِنْهُ مَعْرِفَةً لِبَعْضِ القصائدِ المُتَّبَعَةِ، وأَنَّ هٰذه التَّجربةَ ذاتُ جَوْهَرٍ روحيٍّ.

والقِراءةُ «المَوْضُوعيَّةُ تَنْطَلِقُ من تَقابُلٍ أَساسِيٍّ في تَعامُلِها مَعَ النَّصّ، وَهْوَ التَّقابُلُ بَيْنَ المَعْنى الواضح الّذي يُقَدِّمُهُ النَّصُّ بِشَكْلٍ مُباشَرٍ، والمعنى الضِّمنيّ الَّذي هْوَ صدًى للمعنى الأوَّل»[2]؛ وللدّخولِ في موضوع الدّراسة لا بدّ من تعريف الحبّ.

   تعريف الحُبّ

الحُبُّ في اللُّغة هو الودادُ والمَحَبَّة، وَهْوَ نَقيْضُ البُغْض[3]،  وهو في المفهوم ٱسمٌ لِصَفاءِ المَوَدَّة، وَغَلَيانِ القلبِ وثَوَرانِهِ عندَ الشَّوق إلى لِقاءِ المَحْبُوب؛ وعلى الرّغم من كَثْرةِ التَّعريفات المقترحَةِ للحُبِّ، فالعلم بِهِ قائمٌ على التَّجربة الحيَّة، والمُعاناة، والوِجْدانيَّة الشَّخصيَّة المباشرة[4]، وقد قال الإمام ٱبْنُ حَزْم[5] في هٰذا المعنى عن الحُبِّ: «رَقَّتْ معانِيهِ لِجَلالها عن أن تُوصَفَ، فلا تُدْرَك حقيقتُها إلَّا بالمُعاناة». ويقول أيضًا في ماهِيَّة الحُبِّ: «إنَّه ٱتِّصالٌ بين أجزاءِ النُّفوس المَقْسُومة في هٰذه الخَلِيقة من أصل عنصرها الرَّفيع»[6]؛ وكَثُرَ كلام الحبّ في الشّعْر فهل من علاقة بين الحبّ والغزل في قصائد الشّعراء؟

   بين الحبِّ والغَزَل

الحبُّ غَيْرُ الغَزَل؛ لأنَّ الحبّ شُعُورٌ لا إِرادِيٌّ، يَثْبُتُ في القلب ثُبُوتًا عَفَويًّا، لا يُدْرِكُ الإنسانُ كُنْهَهُ أو مَصْدَرَهُ، يبدأ عَفَويًّا مَعَ الإنسان، إِلَّا أَنَّه يَتَبَدَّل بِتَبَدُّلِ الظُّروف، فيجعل منه بَعْضُهُم نَزْعَةً مادِّيَّة، إلَّا أَنَّه يبقى عند آخَرِينِ قِيمةً مِثاليَّةً مَقْرونةً بالإخلاص والتَّضحية والتَّفاني؛ أَمَّا الغَزَلُ فهو كلامٌ في الحُبِّ، يَتَعَمَّدُهُ الشَّاعر، عن قَصْد، حين يتحرَّك في داخله شعورٌ ما، لدى رؤيته الجَمال، وعند إِعجابِهِ بِصِفَةٍ في الشَّخْص المَمْدُوح؛ وَيُمكن أَنْ يكونَ الغَزَلُ صادقًا أو كاذِبًا، لِحبيبٍ حقيقيٍّ أو خياليٍّ.

فشِعرُ الحبّ من أجمَلِ الشِّعْرِ في العالم وأَحَبِّهِ إلى النُّفوس؛ فكيفَ إذا كانَ المُحِبُّ شاعِرًا يَرَى في الحُبِّ نُسْغًا يُحْيي قلبَهُ، وزَوْرَقًا يُبْحِرُ فيه إلى اللَّامحدود، إلى عالَمٍ من الجَمالِ والسِّحر، يَنْتَشِي فيه ويَسْكَر؛ وجورج شكُّور هو أحدِ هؤلاء الشُّعراء، مِمَّنِ ٱسْتَهْواهم جمالُ المرأة، فهل كتبَ لَها مِنْ خلَجات قلبِهِ ما رَقَّ مِنَ الشِّعرِ، أم كان غَزَلُهُ يخرُجُ فقط منَ اللّسان؟ يقولُ في ديوانه «مرآة مِيرا»:

لا أكتُبُ الشِّعْرَ إلَّا حينَ يُوجِعُني      وَهْجُ الجَمالِ، وإنْ شيءٌ بِيَ ٱشْتَعَلا[7]
    (بحر البسيط)

ولٰكِنْ، أيُّ نوعٍ من الجمال أَلْهَمَ الشَّاعر وَدَفعَهُ إلى الكتابة عنهُ؟ الرُّوحِيُّ أم الجَسَدِيُّ ؟ أهو الإخلاص لحبيبةٍ واحدةٍ أم تَعَدَّدَتِ الحبيباتُ لَدَيْهِ؟ وهل تَرَافَقَ الحبُّ عنَدَه مع الغَزَل، فَعَزَفا معًا على أوتار قلبٍ شَفِيفٍ، أم أَنَّهُ مُجَرَّدُ كلماتٍ مُرافقةٍ لحالةٍ نفسيَّةٍ، أوجَعَها الجَمالُ، فَحَطَّتِ الرِّحالَ، وٱنْتَهَتْ؟

أوّلًا: الجمال المادّيّ أو الجسديّ

الحبيبةُ بِنَظَرِ شكُّور هي الأرضُ والسَّماء، الحضورُ والقُرْبُ والتَّواصُل، وفُتُونُ القامة، وسُمُوُّ الرُّوح، وجَمَالُها، وجَمالُ الدُّنيا حينَ يَضُمُّها، وحُبُّها هو الأُمْنِيَّة؛ لذٰلك يقول في قصيدةٍ هي نوعٌ مِنَ المُوَشَّح بعنوان «وَتُمْطِرُ وَرْدْ…»:

أَنا الحبُّ عِنْدِي غَمامَهْ   وتُمْطِرُ وَرْدْ
     
وقَـلْـبٌ يُرَوِّي غَـرامَـهْ   بِنُبْـلٍ وَرَغْـدْ
     
يَرِفُّ رَفيفَ الـيَـمامَـهْ   إذا هَلَّ وَعْـدْ
     
ضَمَمْتُ الوُجودَ بقامَهْ   أَأَشْتاقُ بَعْــدْ
     
أنا تاجُ حُبِّي شَـهـامَـهْ   مَدارِجُ مَجْدْ[8]

(مجزوء المُتَقارِب بتصرُّف في هندسة التفاعيل)

الحُبُّ بالنِّسبة إلى الشَّاعر أشبَهُ بِغَيمةٍ سِحْريَّة؛ لكنَّ ماءَها نُثارُ وَرْد، وقلبُهُ لا يرتوي إلَّا بالنُّبل والفَرَح؛ فالحُبُّ لَيْسَ مُجَرَّد شَهْوةٍ جَسَدِيَّة وحَسْبُ، تَبْتَذِلُ الحبيبةَ وتُرخِصُ الحبَّ، بل هو ٱكْتِفاءٌ نفسيٌّ، ورُقِيٌّ رُوحيٌّ؛ فَغَزَلُهُ رومنسيٌّ، ظَهَرَ في الحقلِ المعجميِّ للطَّبيعة:  (غمامة، تُمْطِرُ وَرد، يُرَوّي، يَرِفُّ رَفيفَ اليَمامة)، كما بَرزَ الحقل المعجَميّ للشّهامة في الحبّ: (نُبْل، رَغْد، وَعْد، تاجُ حُبِّي شَهَامة، مَدارِجُ مَجْد)، كَما يُصَوِّرُ الشَّاعر قلبَهُ العاشقَ، في ٱرتعاشِهِ، كرَفِيفِ اليمَامَةِ الوديعة إذا لاحَ لَهُ من جانِب الحبيبة وَعْدٌ بِلِقاء.

وفي تَمَثُّل هٰذا الٱرْتِعاش يتفنَّنُ شكُّور في هندسة تفاعيلِ بَحْرِ المتقارِب، فيبدأ الشَّطر الأَوَّل من أبياتِهِ بثلاثة تفاعيل (فُعُولُنْ)، ويضع منه تفعيلتين في الشَّطْر الثَّاني، مع قوافٍ مختلفة (فَعُوْلُ، فعوْلْ)؛ ويَلْتَزِمُ ذٰلك في الأبياتِ كُلِّها، ونَتَبَيَّنُ أنَّ الشَّاعر على الرُّغم من تمسُّكِهِ بأصوليَّة اللُّغة والعَرُوض، إلَّا أنَّه كان مُجَدَّدًا في المضمون وفي الأسلوب أحيانًا؛ ولا تقتصِرُ الهندسة في قصيدته على التَّفاعِيلِ إنَّما تَتَعَدَّاها إلى تشابيه في المفردات (غمامَهْ، تمطِرُ، يُرَوِّي)، فَيُشَبِّهُ حُبَّهُ بِغَمامة ماطِرة، إلَّا أَنَّها لا تُمْطِرُ ماءً، بل تُمْطِرُ وَرْدًا، يفرش به دَرْبَ الحبيبة، وغرامُهُ ليس مبتذلًا، ولا يُسِفُّ في الكلام، بل هو حبٌّ شَهْم ونَبِيل؛ كما نلاحظ السُّكونَ في نِهاية الشَّطْرَين من الأبيات، كأنَّهُ يتناغَم مَعَ السَّكينة الدَّاخليَّة في أعماقِهِ؛ فهو في الشُّطُور الأولى يُطْلِق الألف، يَلِيها حَرْفُ المِيم، ثمَّ الهاءِ السَّاكنةِ (غمامَهْ، غرامَهْ، اليمامَهْ، بِقامَهْ، شَهامَهْ)، أمَّا في الشُّطور الثَّانية فَيَخْتتمُ القوافِيَ بساكِنَيْنِ بعد حرف مُتَحَرِّك وَبِرَويِّ الدَّال (وَرْدْ، رَغْدْ، وَعْدْ، بَعْدْ، مَجْدْ)، كأنَّنا نشاهدُ تخطيطًا لِقلبه سنبيِّنُه في التَّرْسِيمة التَّالية:

 

 

 

 

ثانيًا: الحبّ واللّذّة الحسّية

تَمادَى الشَّاعر شكُّور في عَدَدٍ من قصائِدِهِ في الإقبال على التَّجربةِ الجَسَدِيَّة، وفي رَسْمِ مُعاناتِهِ في لَوْحاتٍ واقِعيَّةٍ، تنقلنا إلى أجواء التَّجْرِبة، وما أَحْدَثَتْهُ من لَظًى وٱنْجِرافٍ في المَلَذَّات؛ فصَهَرَ جَوارِحَهُ، وجَوارِحَ  حبيبتِهِ على لَهَبِ المَشاعِرِ، فَذابَتْ في أَلْحانِ التَّماهِي، وٱرْتَسَمَتْ صُوَرٌ خياليَّة، تَوازَنَتْ أَبْعادُها الجَماليَّة في أَكْوانِ الحُبِّ.

ومن هٰذه  الصُّوَر الَّتي أَلْهَبَتْ مَشاعِرَهُ، ما تضَّمَنَتْهُ قصيدةُ «إفريقيا» الَّتي تُعَدُّ من القصائدِ القلائِلِ الَّتي صَوَّرَ فيها الشَّاعرُ الرَّغْبةَ الجَسَدِيَّة الجامحة؛ يقول:

غَلَبَ السَّوادُ، وغارَتِ الشَّمْسُ
يا ليلُ، مَهْـلَ  خُطاكَ لا تَـقْـسُ
 
أَتُـحِبُّـني قالَتْ؟ وَهَـل عَـلِـمَـتْ
أَنِّـي لِــدافِــقِ خَـمْــرِهـا كـأسُ
 
في مَـجْـدِكِ المُنْهارِ مِلْءَ يَـدي
إِفْـريـقـيـا السَّــوْداءُ والـفُـرْسُ[9]
                     (بحر الكامل)

 

لَقَدِ اخْتَفَتْ مَعالِمُ المَكانِ، وغارَت الشَّمْسُ، وَحَلَّ اللَّيْلَ، فلم يَعُدِ الشَّاعِرُ يرى سوى السَّواد، خصوصًا أَنَّ الفتاة إفريقيّة، وَلِشِدَّة ٱحْتِراقِهِ بنارِ هَواها، يَطْلُبُ مِنَ اللَّيل ألَّا يَقْسُوَ عليه، وينتهي سَرِيعًا، بل أَنْ يَتَمَهَّلَ في خُطاه، لِيَتَمَلَّى مِنْ ثِمارِ الحُبِّ؛ فَعِبارة «غارَتِ الشَّمْس»، إشارة إلى شقراءَ، أمَّا إِفْريقيا فهي إشارة إلى حَسْناءَ سَوْداءَ، ويُمْكِنُ أن نَسْتَدِلَّ من ذٰلك أَنَّ حُسْنَ “إفريقيا” السَّوداء هٰذه، مَحا حُسْنَ كُلِّ فتاة حتَّى الشَّقْراواتِ مِنْهُنَّ؛  وعندما سأَلَتْهُ الفتاة إنْ كانَ يُحِبُّها، أجابَها بِثِقَة وبِسُؤال، أَلَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّهُ الكأسُ الَّذي سيحتوي خَمْر حُبِّها، وأنَّ مَجْدَ إِفْريقيا السَّوْداء، ومَجْدَ الفُرْس كُلَّه ٱنْهارَ بَيْنَ يَدَيْهِ؟ وتتدَفَّقُ الصُّوَرُ الحِسِّيَّة الجميلةُ في رَوائِعَ من خيالِهِ المُبْدِع؛ فيقول:

شَـلَّالُ نـارٍ، دِيـمَـةٌ هَـدَلَـتْ
سُكْرَ العُيونِ، تَرائِبٌ مُلْسُ
آهـاتُ أَزْهـارٍ مُــراهِــقــةٍ
فـي غـابـةٍ عَـذْراءَ تَـنْـدَسُّ
يا ليلَ عَـدْنٍ، يَـومَ لا قَـمَـرٌ
غَيْرَ السَّوادِ، ويَوْمَ لا أَمْسُ[10]
  (بحر الكامل في إحدى صوَره)

ٱستَعارَ عِبارةَ «شَلَّال نارٍ» لِلْمَشاعر المُلْتَهِبة، والدِّيمةَ أيْ السَّحابة الممطِرة للتَّعَرُّق المَحْرور، ثُمَّ صَوَّرَ سُكْرَ العُيُونِ، وأَعْلى صَدْرِها المالِسَ؛ لِيَدُلَّ على المَشْهَدِ المُكْتَمِل لِلشَّهْوَة الجَسَدِيَّة، وقد خالَطَها صَوْتُ الآهاتِ لِمُراهِقَةٍ جامِحَةِ العاطِفة، فكانتِ هِيَ الأزْهارَ الَّتي ٱنْدَسَّتْ في غابةٍ عَذْراءَ، ويُشَبِّهُ شَكُّور تلك اللَّيْلة بِلَيلةٍ من جَنَّةِ عَدْنٍ، حيثُ ٱخْتَفَى القَمَرُ، ونَسِيَ الأَمْسَ، ولم يَبْقَ ماثِلًا أمامَهُ سِوَى الحاضِرِ والسَّوادِ. وَيُكْمِلُ:

وتـنـاوَحَـتْ سَـمْـراءَ، حالِـيَـةً
بِكْـرُ الرِّياحِ، وَسالـتِ النَّفْــسُ
عُمْرُ الوُرودِ السُّودِ نَقْـطُ نـدًى
هَيهاتَ يَرْشُفُ غَيْرَهُ الغَـرْسُ[11]
                (بحر الكامل في إحدى صوَره)

وَنَرَى بَراعَةَ الشَّاعرِ في تَصْويْرِ الشَّهْوَةِ الجِنْسيَّة، فشَبَّهَ السَّمراء بِريحٍ تأتي من النَّواحي الأربع؛ فتتكوَّنُ منْها أَلْطَفُ نَسْمة، وتأتي عِبَارةُ «سالتِ النَّفْس» لتُعَبِّر عن ذُرْوة الإرادة في الٱنْغِماس في المُتْعة الجسديَّة، فالوُرودُ السُّود كَما يقول الشَّاعر، لا تعيشُ إِلَّا على نُقَط النَّدى، أَيّْ ماءِ الحُبِّ.

تَـعِـبَ الـشِّـراعُ مُـشَـرَّدًا بَــدَدًا
يا زَوْرَقِي الوَسْنانَ هل نَرْسـو؟
وَلَـمَـحْـتُ فـي عَـيْـنَيْ مُعَـلِّـلَتِي
طَـيْـفَ الـهَـناءِ ولِلْغِوى هَـمْسُ
 
فَـمَشْـقَتُها، كالـسَّيْـفِ مُـشْتَـهَـرًا
عَفْوَ الرِّماحِ، وَزَغْرَدَ العُرْسُ[12]
                (بحر الكامل في إحدى صوَره)

 

يَتَصوَّر الشَّاعرُ نَفْسَه كالشِّراعِ الَّذي أَتْعَبَهُ التَّشَرُّد، والسَّمْراءَ كالزَّوْرقِ النَّاعِس، وقد شَخَّصَهُ؛ لِكَيْ يسألَه إنْ كانَ الوقْت قد حانَ لِيَرْسُوَ، ولٰكِنَّه فَهِمَ من مَلامِحِ عينَيْها، أَنَّها فِي هَناءٍ ونَشْوَةٍ، وما زالتْ تَطْلُبُ الغِوَى، فٱستجابَ لِطَلَبِها مُشَبِّهًا رُجُولتَهُ بالسَّيْفِ، الَّذي يُحاربُ في تلاحُمِ المَعارِكِ، مُعْتَذِرًا مِنَ الرِّماح؛ فعِنْدَها ٱكْتَمَلَتِ النَّشْوةُ، فشبَّهَها بِزَغْرَدةِ العُرْسِ؛ ثُمَّ يُعَلِّلُ ٱنْغِماسَهُ في الشَّهوَة، قائِلًا:

يا مَرْمَري اللَّيليَّ، طِـبْـتَ وقـدْ،
ضَـمَّـتْـكَ مِـنِّـي أنْـمُـلٌ شُــرْسُ
الخَـمْـرُ خَـمْـرُكَ، نـارَةٌ وَبَـدَتْ
خَلْف الزُّجاجِ،فَكَيْفَ لا أَحْسُو؟![13]
                 (بحر الكامل في إحدى صوَره)

 

في عبارة «يا مَرْمَري اللَّيْليّ»، إشارة إِلى جَسَدِ السَّمراءِ الَّذي كالمَرْمَر، ويُخاطِبُهُ، مُطَيِّبًا إيَّاه، بَعدَ أنْ ضَمَّتْهُ أَنامِلُهُ بِشَراسةٍ، حينَ رآه خَلْفَ الزُّجاج، وقد بَدا كالخَمْر نَشْوَةً، وكالنَّار شُعْلَةً، وَبَعْدَ هٰذا، كيف لا يَشْرَبُ من خَمْرِها ولا يَحْسُو من كأسِها؟ ويُنْهي الشَّاعرُ قصيدَتَهُ بِبَيْتٍ شِعْريٍّ يُعْلِنُ فيه مُرادَهُ:

يا لَيْلَتي، أَهْواكِ شـاعِـلَـةً،
يا لَيْلَتي، وَلْتَغرُبِ الشَّمْسُ…[14]
                    (بحر الكامل في إحدى صوَره)

 

يُخاطِبُ لَيْلَتَهُ الَّتي أَلْهَبَتْ مشاعِرَهُ، مُعْلِنًا حُبَّهُ لَها، مُتَمَنِّيًّا تَكْرارَ التَّجْرِبةِ، وغُروبَ الشِّمْسِ مَرَّةً أخرى، وقَدْ كَرَّرَ نِداء «يا لَيْلتي» مَرَّتَيْن لِتأْكِيدِ كلامِهِ؛ أمَّا ترسيمة الشَّهْوة التَّصاعُديّة فتبدو كالتَّالي:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثالثًا: حبّ الجمال وتعدّد الحبيبات

في دَواوين شكُّور، نَجِدُ تَعَدُّدَ حبيباتٍ، كَما عند الشَّاعر عمر بن أبي ربيعة[15]؛ ففي ديوانِ «زهرة الجَماليا» مثلًا، تغزَّلَ بٱمرأةٍ ٱسمُها هِيام، وأَطْلَقَ عليها تسْمِيَة دَلالٍ «هِيم»، قائلًا:

بالحُبِّ تُخْتَصَرُ الدُّنيا وَثَرْوَتُها              والحُبُّ، يا هِيْمُ، أغناني وأَغْناكِ [16]

(بحر البسيط)

مَرَّتَيْن لِتأْكِيدِ كلامِهِ.

الحبُّ يختصرُ الدُّنيا وثَرْوَتَها بالنِّسبة إلى الشَّاعر، وهو يُغْني الحبيبَيْن، والعُمْرُ هو هٰذه اللَّحظات الجميلة الَّتي يعيشها مَعَ حبيبتِهِ، الَّتي لَوْ لَمْ تَكُن في حياتِهِ، لٰكانَ زَهِدَ في عُمْرِهِ، وَيَصِفُ في آخِرِ القصيدةِ طِيبَ اللِّقاء، وَقُرْبَ ضَمِّ صَدْرَيْهِما مِنْ شِدَّة الحُبِّ، حتَّى أنَّهُ لم يَعُدْ من مجالٍ لِسِلْكٍ رفيعٍ، لِيَمُّرَ بَيْنَهما؛ وَلٰكِنَّ الشَّاعِر، لا يُصَرِّح بٱسم حبيبتِهِ، أحيانًا، وذلك إمَّا خَوْفًا عَلَيْها من أَلْسِنَةِ النَّاس، أو لٱحْتِفاظِهِ بالسِّرِّ وَحْدَهُ من غَيْر مُشارَكة أحَدٍ فيهِ؛ فيقول في قصيدة «والهَوَى اختُصرا» الَّتي تُعَدُّ من أجمل قصائد ديوان «زَهْرة الجَمالِيا»:

خَـبَّـأتُ سِـرَّكِ في بَـيْـتٍ وقـافيةٍ   ما كُنْتُ أحْسَبُ شِعْري يَنْشُرُ الخَبَرا
يا زَهْرَةَ اللَّيْل، يا أَطْيابَ ناسِمَـةٍ   نَسِيتُ بَعْدَكِ، طِـيـبَ اللَّيْلِ والقَـمَـرا[17]
                           (بحر البسيط)

ظَنَّ شكُّور أَنَّهُ سَيُخَبِّئُ سِرَّ حبيبتِهِ في شِعرهِ، ولٰكِنَّه لم يَكُنْ يعلم أنَّ شِعْرَهُ يَكْشِفُ أسْرارَهُ، فَنَرى الطِّباق بين خَبَّأتُ ¹ ينشُرُ، ثُمَّ يُناجي حبيبته بالرُّموز: إنَّها زهرة اللَّيْل، الَّتي تؤنِس وِحْدَتَهُ، والنَّسْمةُ المُطَيِّبةُ الَّتي أَنْسَتْهُ طِيبَ اللَّيل والقَمَر؛ فنَجِدُ تناغُمًا في موسيقى الألفاظ (ناسِمة، نسِيْتُ)، (أطياب، طِيْب)، وهو تَناغُمٌ مَعَ النَّفْسِ في الحالة الشِّعْرِيَّة. ويقول لِسَيِّدةٍ سَمَّاها «مَيْساءَ الشَّام»:

أنـا شاعِـرٌ يَحْـيـا لِـلَـفـتَـةِ حُـلْـوةٍ   كالشَّمسِ يَخْتَصِرُ المَدَى بِثَوانِ
بَـعْـضُ الحِسانِ وُجودُهُنَّ تَـفَـرُّدٌ   والكَوْنُ لا يَحْلو بِغَيْـرِ حِـسـانِ
أيَحُقُّ لي، والشِّعْرُ يبتكِرُ الرُّؤى   أَلّا أَصُـوغَــكِ حِـلْـيَـةً لِـبَـياني؟[18]

(بحر الكامل)

في هٰذه الأبيات، يُعَرِّفُ الشَّاعر عن نفسِهِ، بأنَّه شاعِرٌ تُنعِشُه لَفْتةٌ حُلْوَةٌ وتُحْييهِ، وهو شَبيهٌ بالشَّمْسِ، يلتقط الجَمالَ بِثَوانٍ، ويَضَع حِكْمَةً مفادُها، أنَّ وُجُودَ بَعْض الحَسْناوات مُفْرَدٌ لا شَبِيهَ لهُنَّ، وأَنَّ الكونَ لا يَحْلُو بِغيرِهِنَّ؛ لذٰلك، قرَّر أنْ يكتُبَ الشِّعر لِمَن أوْحَتْ إليهِ بِجمالِها ويَجْعلَها الحِلْية الَّتي ستُزَيِّنَ بَيانَهُ؛ فلا يَهْتَمُّ لِكلامِ اللَّائمين الَّذين يقولون عنهُ إِنَّهُ شاعِرٌ وَيَعْبُدُ ٱمرَأةً، فَما دامَ سعيدًا، ولا يُخطئُ في تصرُّفاتِهِ، فلن يُغَيِّرَ طريقَه؛ لأنَّ حَبيبَتَهُ نارٌ تُشعِلُهُ بِحُبِّها، أمَّا قُلوبُ الحاسِدينَ فَهْيَ مُطْفَأة:

يُقالُ إِنِّي شاعِرٌ وأَعْبُدُ ٱمْرأهْ
ما هَمَّ؟
أنتِ النَّارُ، يا حبيبتي، وَهُمْ قلوبٌ مُطْفَأَهْ[19]

(مجزوء الرَّجَز مع تصرُّف في توزيع التَّفاعيل)

تُلاحظُ هُنا الحَدَاثة في الشِّعر، المُنْطَلِقةَ من جُذور الأَصالة، وقَدِ ٱعتمد الشَّاعر تَفْعيلة «مستفعلن»، ونَوَّعَ في هَنْدسةِ القصيدةِ كَما في قَوافِيها.

ويكتب قصيدةً «لِهِنْد»، وهِيَ من نوعِ المُوَشَّح الحُرِّ، فيتَخَيَّل نَفْسَهُ طائرًا، وحبيبتهُ على جَناحِ اللَّيلِ؛ لِيُثيرَ الأحلامَ في أجفانِ الحِسان اللَّواتي يَهْوَينَ الشَّاعرَ:

طِرْ بِنا، يا لَيْلُ، في أُرْجوحةٍ
طِرْ جَناحًا مُستهامًا بجَناحْ
 
مُخمَليَّ الرِّيشِ مِمْراحَ الهَوى
وٱسْرُقِ الأطْيافَ مِن هُدْبِ المِلاحْ
 
وٱنْفَحِ الأسْحارَ وَرْدْ
عنـدَما أشـدو لِـهـنْـدْ

فِتْنةِ الغِيدِ المِلاحْ
طِرْ جَناحًا مُستهامًا بجَناحْ(1)

(بحرالرّمل بتصرُّف في توزيع التَّفاعيل)

 
 

يبرُزُ في القصيدة: الحقل المُعْجَمِيُّ لِلْطَّيران: (طِر – أرجوحة – جناحًا – بجناح – الرِّيش)، والحقل المُعْجَمِيُّ لِلْأَحلام: (مُسْتهامًا – مُخْمَلِيَّ – مِمْراحَ – الهَوَى – الأطياف – الأَسْحار – فِتْنة)، وهٰذا الطَّيَرانُ مع الحبيبة هُوَ الَّذي يُثير أحلامَ الحِسان؛ أمَّا ديوانُ «مِرآة مِيرا» فقد سَمَّاه الشَّاعِرُ على ٱسمِ حُلوةٍ، تُدْعَى «مِيرا»، وكتب القصيدة الأُولى من الدِّيوان لَها:

أجــمَـلُ الأجْــمَــلِ مــِيـرا   تَـوَّجَـتْ قَلْـبي أَمِـيـرا
أنـــا مِــن أَجْــلِ رُؤاهـــا   أزْرَعُ الوَرْدَ سُطُورا …
يــا لَـهــا فَــرْحَـةَ عُــمْــرٍ   ألْهَمَـتْـني أَنْ أَطـيـرا![20]
    (مجزوء الرَّمل)

 

 

 

 

 

يُعْلِنُ في هٰذه القصيدة أنَّ «مِيرا»، هي أجملُ الجميلاتِ اللَّواتي أحَبَّهُنَّ؛ وَلِأَنَّها غامَرَت لتُرضِيَ غُرورَهُ، وَأَدْخَلَتِ الفرَحَ إلى قلبِهِ، غَدَتْ حُبَّه الكبيرَ، وَفَرْحَةَ عُمْرِهِ، أَلْهَمَتْهُ، فَكَتَبَ لها شِّعرًا أصْبَحَ مِرآةً لَها، زَرَعَهُ سُطورًا كالوَرْد، وأحسَّ بأَنَّ لَهُ جَناحَيْنِ يطيْرُ بِهِما.

        نَتَبَيَّنُ في شِعرِ شكّور الغَزَليّ، تَعَدُّدًا للحَبيبات، فورَدَتْ أسماء مُتَعَدِّدة كَـ: نُونُو، نَدَى، سُوسُو، هِنْد، نَوال وغيرِهنَّ… فَظَهَرَ التَّناقُضُ واضِحًا بَيْنَ إِعْلانِهِ الإخلاص لِحَبيبَةٍ واحِدة، وَبَيْنَ ذِكْرِهِ لأَسماءِ كَثيْراتٍ. ولٰكن، أليسَتِ المراةُ  هي الحافِزَ الَّذي يُلْهِمُ الشّاعِرَ كِتابَةَ الشِّعر؟      

رابعًا: الحبّ الحميميّ

الشَّاعرُ طائرٌ يتنقّلُ من غُصْنٍ إِلى غُصْن، ولٰكنَّه في آخِرِ نهارِهِ، يَعُودُ إلى عُشِّهِ الهادئ حَيْثُ الٱطمئنانُ والسَّكِينة؛ وجورج شكّور أحَبَّ الجَمالَ، ولاحَقَهُ أَينما وُجِدَ، إلَّا أَنَّ حُبَّ فتاةٍ  كانَتْ تلميذةً في صَفِّهِ، خفَقَ لهَا قلبُهُ، وأرْعَشَ كِيانَهُ، والّتي أصبحت فيما بعد زوجته.

فالحُبُّ البَريء بدأ حين كانَ جورج شكّور يُعَلِّمُ في إِحْدَى المدارِسِ الُّلغةَ العَرَبِيَّة، وَكانَتْ بين تِلْميذاته، فتاةٌ جميلةٌ في السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِها، ٱسْمُها دولْلي، أعجَبَتِ الشَّاعِرَ، ولٰكِنَّهُ ظَلَّ يكتُمُ في قلبِهِ هٰذا الإعجاب؛ ثمّ عادَ شكُّور في السّنةِ التَّالية إلى المدرسة ذاتِها الَّتي عَلَّم فيها التِّلْميذةَ، ولٰكِنَّها هي لم تَعُدْ، لِظُروفٍ خاصَّة بها، بلِ ٱنْتقلَتْ إلى مدرسةٍ أخرى، وفَورَ عَوْدتِهِ، فوجِئَ بِغِيابِها المؤلم، فكتب لها قصيدة «رُجْعَى»:

رَجَعْتُ، ولولاكِ لم أَرْجِـعِ   وَكَـفَّي تّـشُـدُّ على أَضْلُعي
أيَا سَكْرَةَ الزَّهْرِ إِنِّي فَراش   وَ أحْيا على الأرَجِ المُمتِع [21]
                 (بحر المتقارِب)

 

 

بهٰذا النَّغم الحزين يُخاطِبُ الشّاعر حبيبتَهُ الَّتي لم تَكن، ويُصارِحُها بهِ هامِسًا، ليبيّن أنَّهُ يُضْمِرُ لها حُبًّا صافيًا: «وكَفِّي تشُدُّ على أَضْلُعِي»؛ لِيَقولَ أنّهُ مُمْسِكٌ قلبَهُ بِيَدِهِ؛ لأنَّهُ مُرْتابٌ مِن أَمرِ عَوْدَتِها إِلى المدرسة، ومِنْ أنَّه لن يَلْقاها من جديد.

وَبَعْدَ المَطلَع الرَّقيق المَهْمُوس، يَتَرَقْرقُ جَدْولُ عواطفه، فينتَقِلُ من كلامٍ خَبَريٍّ سَرْديٍّ، إلى كلام إِنشائيٍّ نِدائيٍّ؛ لِيُعْلِنَ لها عن إعجابِهِ بِها، فَهيَ لا تُسكِره، وَحدَهُ، بل تُسكِرُ زهْرَ الطَّبيعة، ويَبُوحُ لها بأنَّهُ كالفَراشاتِ الَّتي تَحْيا على العِطْر. فحاسّةُ الشَّمِّ عِندَهُ تكمُنُ في حاسّةِ البَصَر، ويَعودُ إلى السَّرْد، مُعْلِنًا ما في ذاتِهِ من أَسرار، مُتَذَكّرًا صُوَرًا عنِ الحبيبة، لا تَزالُ مَرْسُومةً في خيالِهِ وفؤادِه؛ فيقول:

رَجَــعْــتُ أُفـاتِــنُـهــا[22] طِـفْــلــةً   بـِبـالِ النُّـجَـيْـمـاتِ لـِمْ تَـطْـلُعِ
أَغُصُّ وأَبْكِي، وتَبْكِي الدُّرُوبُ   وأَشْـتـاتُ حُـلْـمٍ عـلَى أَدْمُـعـي
تَـــشُـــدُّ فــؤادي بـأُرْجُــوحَــةٍ   عـلى الخَصْرِ، إمّا مَشَتْ يَتْبَعِ [23]

(بحر المتقارِب)

لَقَد عادَ لِيُشارِكَها الإعْجابَ والٱستمالَةَ، مُبْتَكِرًا فِعْلَ «أُفاتِنُها»؛ وهي حبيبةٌ مُمَيَّزة، لم تَحْلُم النُّجَيماتُ بِمِثْلِها، وقد صَغَّرَ الشّاعِر النُّجَيمات تَحَبُّبًا بِها، مُستَعيرًا لِلنُّجَيمات، بالًا، كالبَشَر، ويَصِفُ حالَهُ في الألمِ الَّذي ٱنتابَهُ، فالغَصَّةُ تملأُ قلبَهُ وفَمَهُ، فيَبْكِي، وَتشارِكُهُ الدُّرُوبُ البُكاءَ، ويتخيَّلُ حُلمًا مُشَتَّتُ الصُّوَر، يتناثرُ في دموعِهِ؛ وفي القصيدةِ أُفُقُ صُوَرِيٌّ ٱنْطِباعيٌّ، يُواكِبُ الأفُقَ العاطِفيَّ، وَيتمثَّلان في التَّرْسِيمة التَّالية:

 

 

 

 

 

 

هٰذان التَّيارانِ الأُفُقِيَّان يَفْعلان فِعْلَهُما في القارئ، ويَنْقلانِهِ إلى جَوِّ الشَّاعر؛ ثمَّ يرتَفع التَّيَّار الوِجْدانيّ التأمُّليّ، والحَنينُ اللَّاهِبُ إلى أمسٍ عَبَرَ، ولا تَزالُ ذِكْرياتُهُ المتصوَّرَة تُخالجُ مُخَيِّلَتَهُ، فيهتِفُ مُتَحَسِّرًا:

رَجـعتُ، لَأَوّاهُ كيفَ رَجَـعـتُ   وأنـتِ – فَـدَيْـتُكِ – لـم تَـرْجِعي؟
أنَا بَعْضُ عُمْري هُنَيْهَةُ شِـعْـرٍ   ونَـشْــوَةُ خَـمْــرٍ، وأنـتِ مَـعِــي[24]
         (بحر المتقارِب)

 

هٰكذا، غالبًا ما تكون خاتمة القصيدةِ عند شَكُّور، كخاتِمةِ السِّمْفونِيَّة الموسيقيَّة، حيث هي الذُّرْوة الَّتي تحتشدُ فيها أسْمَى المَشاعِر والصُّوَر، وَيَتَخَيَّلُ الشَّاعِرُ كيف كان ظِلُّ رُوحِهِ يُعانِقُ ظِلَّ رُوحِ الحبيبة، ويَشُمُّ عِطْرَها النَّادرَ، وهُنيهاتِ لَهْوِها الَّتي تُثِيرُ فيه مَلَكَةَ الشِّعرِ، فيُبْدِعُ من خِلالها، ويتصوَّرُ كيف كان يَسْبَحُ في بُحَيْراتِ عينيْها، ويُسافِرُ في الخَيال في زَورَقِ أَلُحاظِها العميقة المعاني، ولٰكنَّه في النِّهاية يَتَحَسَّرُ، ويتأوَّه لِعَدَم عَوْدَتِها، ويُلَخِّصُ القَصيدة كُلَّها بِبَيْتِ الخاتمة حيثُ يُوجِزُ عُمْرَهُ، بأنَّه هُنَيهةُ شِعْرٍ، ونَشْوةُ خَمْرٍ، وَأَنْ تَكونَ هٰذِهِ الحَبِيبَةُ، تحديدًا، مَعَهُ.

وفي قصيدة أخرى، ٱلْتَقَى الشّاعرُ حبيبتَهُ، صِدْفةً، دون مَوْعِدٍ، فأوْرَقَ العُمْرُ حين لامَسَتْ كفُّها يَدَهُ:

مُـلـْتَـقًـى دونَ مَوْعِــدِ   يا هُـمُـومِـي تَــنَـهَّــدي…
طِفْلةُ الأَمْسِ، هاهُـنـا؟   دَرْبُـهـا دَرْبُ مَـعْهَـدي
أَوْرَقَ العُـمْـرُ عِنـْدَما   لامـَسـَتْ كَـفُّـهـا يَــدِي[25]
               (مجزوء الخفيف)

هُوَ يُناديها بطِفْلةِ الأمس، وَقَدِ ٱلْتَقاها على دَرْبِ مَعهدهِ، فأذابت أصابعُها الشَّاعر، بعْدَ أنْ أصبَحَ مُتَشَرِّدّا في غِيابِها، ولِقاؤهُ إيّاها هُوَ إيجادٌ لِنَفْسِه؛ وَهُنا، يتطابق المُسْتَويانِ التَّصويريُّ المَوْضوعاتيُّ، والعاطفيُّ الحِسِّيُّ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هٰكذا عَبَرَ مِحْوَرُ التَّضادِّ، في المُربَّعات السِّيمائيَّة تدريجيًّا، حَتَّى وَصَلَ في النِّهاية إلى عَلاقةِ التَّجانُس و كان الوعدُ بلقاءٍ مع موعد.

وشِعرُ شكّور يُخبِرُ قصَّةَ حياتِهِ، وهٰذه القصائد، دليلٌ على أنَّ تجارِبَهُ هي واقِعٌ مُعَاشٌ وليستْ قِصصًا خياليّةً، وَكُلَّما كانتْ حقيقيّةً أثَّرَتْ في القارئ، وجَعَلَتْهُ يعيش حالاتِ الشَّاعر في ألَمِهِ، وفَرَحِهِ، وفي شُرودِهِ وَوَعْيِهِ، وفي مغامراتِهِ الَّتي ما كانت تنتهي مُغامَرَةٌ مِنْها حتَّى تبدأ قِصَّةٌ أجمَلُ.

وَحُبُّ شكّور لِحبيبتِهِ دُولْلي، يُذَكّرنا بأيّام الحُبِّ البَرِيءِ، الجميل، حين كانَ اللِّقاءُ صَعْبًا بسبب التَّقاليدِ الصَّارمة الَّتي كانَتْ تُطَبَّق على الفتاة؛ لِذَا، كان الحبيبانِ يَتَراسلانِ، عَبْرَ مُوفَدِ، حتَّى لا يُثِيرا الشُكوك في قِصَّة حُبِّهما؛ فيكتُبُ الشّاعرُ قصيدةً بِعُنْوان «بَرِيدُها»:

غَصَّتْ زُهورُ، وٱرتَمَتْ حَسَدا   هٰـذا بريدُ حبيبتي وَرَدا – غَـرِدا
عـامٌ مَـضى، و مَضَيْتُ أنتـظِرُ   لا الـشِّعْـرُ يَشفِيني، ولا السَّـهَــرُ
هٰـــذا بــريــدُ عُـهــودِنـا الأَوَّلِ   كَــلـِمـاتُــهُ قَــطْـفٌ مِــنَ القـُـبَــلِ
وفَـواصِلٌ صِيغَتْ على عَـجَـلِ   هٰذا سَفِيرُ الحُبِّ والغَزَلِ – وَفَـدا[26]
     (بحر الكامل بِتَصَرُّف وتنويع في القوافي)

 

 

 

 

 

 

يُشِيرُ شكور إلى اللَّواتي يَحْسِدْنَ حبيبته، وَيَغَرْنَ من رسالتِها؛ وفي البيت الأَوَّلِ، يُعزِّزُ القافية بقافية ثانية، على طريقة بعض الموشّحات (وَرَدا- غَرِدا)، ويتألّم، بعد أنِ ٱفترقا لِمُدّةِ عام، ولم يَكُن يَشْفيه مِن هٰذا الألم لا الشِّعرُ ولا السَّهَرُ؛ ولٰكِنْ بعد أن وَرَدَ بريدُ حبيبته، وَهو سفيرُ الحُبَّ وَفَدَ إِلَيه، فَأَزْهَرَت كلماتُ البريد، وتخَيَّل نفسَهُ يَقْطِفُ قُبُلاتِ الحبيبة من بينِ كلماتِهِ.

وَبَعْدَ قصائِدَ كَتَبَها الشَّاعر، مُتَغَزِّلًا بِعَيْنَيْ حبيبتِهِ، وحُسْنِ جَمالِها، وَعَدَها بأنّه سيأتي لِخُطْبَتِها يوم الأحد، فكتب لها قصيدةً في المُناسبةِ بعنوان «لَيلُ الأحد»، وأذاعَها لها قَبْلَ مجيئه، من الإذاعة اللُّبْنانِيَّة، وذٰلك لِيَزيدَ من تعلُّقِها بِهِ، وَشَغَفِهِ بِها:

يا رَغْـدَ لَيْلِ الأحَدِ   أجْمِـل بِـهِ مِـنْ مَـوْعِـدِ
جَمَّعْتُ فيه عُمُرِي   أَمْسِي ويَوْمِي وغَــدِي[27]
              (مجزوء الرَّجَز)

 

 

 

 

الكلام رَشِيقٌ يَرْقُصُ رَقْصًا فَرِحًا، كَما قلبُ حبيبتِهِ؛ وتَسْأَلُ دولْلي أُختَها «مُنَى» عَمَّا سَتَلْبَسُ؛ ليُعْجَبَ الحبيبُ بِها؛ هل تلبسُ اللَّون الأخضر رَمْزَ الرَّبيع الجميل؟ وفي هذا الحوار الّذي يتضمَّن الاستفهام والحيرة في اتّخاذ القرار، تَقرُبُ القصيدةُ من القصّة، وتشوِّق القارئ لمتابعتها لمعرفة نهايتها؛ فيقول:

غـدًا؟ غـدًا أُمْـنـِـيَّـتـي؟
أُخــتــاهُ مـاذا أرتـدي
لِــيَــومِـيَ الــمُـغَـــرِّدِ؟
أختـارُ لونَ الأَخْـضَرِ
وَهْـجَ الشَّبابِ الـنَّـيـِّـرِ؟
               (مجزوء الرَّجَز)            

فيُجيبُها حبيبُها الشَّاعر، في القصيدة نَفْسِها، قائلًا:

وبَـعْـدُ، يـا حـبـيـبـتــي
إِن زَقْزَقَ الأَهْلُ مَـعًــا
وَهَــلّــلـــوا وغَـــرَّدُوا،
مـا نَـجْـمـة، أَقْـطِـفُـهـا
لِــمَـنْ أَفِــي وَأَعْـــبـــدُ
لِـحُـلْــوتي الَّـتـي بِـهــا
سَــيَـحْــلُـــمُ الــزُّمُــرُّدُ[28]

(مجزوء الرَّجز)

 

إنَّها قصيدةٌ حديثةٌ، نَظَمها الشَّاعر على وزن مَجْزُوء الرَّجز، مَعَ تنويعٍ في القوافي، يتَناسَبُ مع الحالةِ الشِّعْرِيَّة الَّتي عاشَها، فيها فَرَحٌ بالخُطْبةِ، ولِسانُ حالِ كلِّ فتاةِ تنتظِرُ فتى أحلامها؛ ويُلاحِظُ الحَقْلَ المُعْجَمِيَّ المُرْتَبِطَ بالفَرح  (رَغْد – أَجْمِلْ – أمنيَّتي – وَهْج – الشَّباب النَّيِّرِ – مُحْلَوْليًا – أحببتُهُ- حُلم – الأَغْيد – حبيبتي – زَقْزَقَ الأهلُ – هَلَّلُوا – زَغْرَدُوا – نَجْمَةٌ أَقْطِفُها – حلوتي سَيَحْلُم الزُّمُرُّدُ)، كَما يظهرُ الحِوارُ بَيْنَ الحبيبين فيهِ  وَعْدٌ ومُسْتَقْبَل؛ وتَتَجَلَّى دولْلِي في قصيدة جورج شكّور، مثالَ الزَّوْجة الوَفِيَّة، والمتنبِّهة لِسَعادة أهلِ بَيْتِها وَزَوْجِها، وهٰذا ما يَزيدُهُ تعلُّقًا بها وٱحْتِرامًا لَها؛ يقول:

لي زَوجَةٌ، أبدًا، كالأمِّ تَحْرُسُني   لَيْلًا، نَهارًا، ويَحْلُو عِنْدَها الحَرَسُ
تـنـامُ قَبْلِي، وإِمَّا أَهْمِسِ ٱنْتبَهَتْ   كـأَنّـَمــا ساهِـرٌ في قَـلـْبِـهـا جَـرَسُ [29]
                  (بحر البسيط)

في البيت الأوّل، حَشْدَ لِظُروف الزَّمان (أبدًا، لَيلًا، نهارًا)، ما يعني أَنَّ الزَّوجة هِيَ الحارِسةُ لِزَوْجِها في كُلِّ الأوقات؛ ولَدَى الشَّاعر ملء الثِّقةِ بِحُبِّ زوجَتِهِ لَهُ، وَبِأَنَّها صاحبة عقل كبير، ومُنفتح، وهي تتذوَّقُ شَعرَهُ، ولو شدا بِهِ لغيرها؛ لأنّه بِحاجة لِأن يَطِيرَ في الفضاءِ الرَّحْبِ بحُرِّيَّة، حتّى يَجُود بأحلى الكلام، كما الزَّهرةُ تَجودُ بِنَفْحِ عَبيرِها:

وتُـحِـبُّ شعري لو شَدَوْتُ لِغَيرِهـا
وتَـقـُولُ :إنَّـكَ في الحـياةِ كَطَيْرِهـا
وكَـزَهْـرةٍ جـادَتْ بِـنَـفـحِ عَـبِيرِهـا
وهَواكَ لي سَيَظَلُّ أمْكَنَ مِنْ مَكِينْ![30]
(بحر الكامل المَشْطُور)

وَلٰكن ألا تَتَظاهرُ دوللي بِعَدَم الغَيْرة من حَبيباتِ الشَّاعر؟ أم أنَّها رَضِيَتْ بالأمر الواقِع، وهْيَ تَعْلَمُ أنَّ مُغامراتِه عابِرة، وأنَّهُ يُحِبُّها، وسَيَعودُ إلى بَيْتِهِما الدَّافِئ الهَنيء؟ ومن خِلال هٰذه الأبيات تبدو التَّرسيمة التَّالية:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 خامسًا: الحبّ المُتسامي

في شعر شكُّور جمالٌ رُؤْيويٌّ، يسكُنُهُ الخَيال، والإدْراكُ المُطِلُّ على آفاق بعيدة، يُرْضِي الرُّوحَ والشَّعر والجَمالَ الأُنْثَوِيَّ؛ فالشَّاعر يَسْكَرُ من النَّظرة الناعِسة، ومن ضِحْكةِ الثَّغر، ومن شَعْر حَبيبَتِهِ المُوحِي، تَغَنَّى فَرَحًا بتلكَ الَّتي ألهَمَتْهُ الشِّعرَ، صافِيًا صَفاءَ نفسِها السَّامية فقال فيها:

أحــبُّـــكِ ألــوانًـــــا مـــن الـحُـــبَّ جَـــمَّـــةً   لأنَّـــكِ كُـــلُّ الـحُـبِّ جُـمـِّــع فــي فَــــرْدِ!
وأنتِ الَّتي ألْهَمْتِني الشِّعْرَ صافِيًا   وأنتِ الّتي تُعْلِينَ مَجْدِيَ مِنْ بَعْدي[31]
                  (بحر الطَّويل)

 

يُحِبُّ الشَّاعر حبيبتَه، كُلَّ أنواع الحُبِّ الَّذي يُجْمَعُ في فَرْدٍ، وللتّأكيد على حبّه لها، كرّر هذه الكلمة ثلاث مرّات (أحبّكِ- الحبّ – كلّ الحبّ)،  كما يبدو الحقل المعجميّ للسّموّ في الحبّ: (أحبّكِ ألوانًا من الحبّ – لأنّكِ كلَّ الحبّ جُمِّعَ في فرد – أنتِ الّتي ألهمتِني – الشّعر صافيًا – أنتِ الّتي تُعلينَ مَجدي من بَعدي)؛ وهذا يدلّ على السّموّ في المشاعر، وتأثير الحبيبة الموحي للشِّعر الصّافي، فقد أَلْهَمَتْهُ شِعرًا صافيًا؛ لذلك، حمّلها مسؤوليّة إعلاء مجد شِعره من بَعدِهِ.

وتُطالِعُنا قصيدة عُنْوانها «وَبِها وَحْدَها»، ويَنِمُّ هٰذا العُنْوانُ عن تفرّد الحبيبة بالسّموّ؛ لأنَّ مُلْهِمتَها هِيَ حبيبةُ رُوحِ الشَّاعر، وقد طُلِبَ منه وَصْفَها، ولٰكِنَّهُ لم يَسْتَطِعْ؛ لِأَنَّه لم يَجِدْ شبيهًا يُعادِلُ جَمالَها، وهَلْ تُحيطُ المادّةِ بما هو رُوح؛ لذٰلك، يُنْشِدُها شعرًا، كأنَّه الصَّلاة، حيث يقول:

 

   قِيلَ: صِفْها، فَقُلْتُ: هٰذا مُحالُ     مـا سَـمَـا مِثـلَها هَـوًى ومِثـالُ
  حُلْوَةٌ؟ لا هِيَ الحَلاوَةُ، والحُسْنُ   شَفيفَ الرُّؤَى، كَما شَفَّ آلُ
  طَــيــفُــهــا طــاهِـــرٌ، ومَـعْـبَــدُ قُـــدْسٍ   في سَـمَا البال، بَيْتُها يَـخْتالُ
  زَيَّــنــتْــهُ بِـــلَــحْــــنِـــــهـــــــا صَـــلَـــــــــــــواتٌ   وَشُـــمـــوعٌ دمــوُعُــهـُـــنَّ ظِــلالُ[32]

                                                                        (بحر الخفيف)

يُفاجئُ رَّدُّ الشّاعر على ٱستفهامِهِ “حُلْوَة”؟ نَفْيًا بـِ «لا»؛ لِيَعودَ مُوضِّحًا بقوله: (هِيَ الحَلاوة) مَخَصِّصًا المُلْهِمَة بأل التَّعريف، ويعودُ إلى ٱمتداحِ الحُسْنِ الشَّفَّاف كالسَّراب، والدَّائم الإيحاءِ، ويُبالِغُ الشَّاعر حين يَرْفعُها إلى مَصَفِّ القَداسةِ، ويَجْعَلُ بيتَها مَعْبَدًا مقدَّسًا، يعيشُ في ذُرْوةِ بالِهِ وخَيالِهِ.

ولا يَقْتَصِرُ وَصْفَهُ على جِسْمِ الحبيبة على الرُّغْمَ من رَوْنَقِهِ وشفافِيَتِهِ، إِنَّما تَهُمُّهُ أَخْلاقُها وشِيَاتُها، ويبدو ذلك من خلال الحقل المعجميّ المنتشر في القصيدة كلّها: (شَــهْـمَـةٌ – عَـفَّـةُ الـفُـؤادِ – كُـبَـارٌ – طَلْقَةُ الفِكْرِ – والخِصالُ خِصالُ – عِزيزةُ النَّفْسِ – مُناها المعالي – طَبعُها سَمحٌ – عبقريَّةُ النُّهى – لمّاحةُ الفِكرِ – ذكاؤُها مُشْتَعِلٌ لمَّاح – كريمةُ الكفّ – كريمةُ النَّفْسِ – حنانها على الأنام – عطفُها مريميٌّ سامٍ – تَماهَى الكمالُ بها وَحْدَها).

لم يَعُدْ الشِّعر مُجرَّدَ صَنْعةٍ أو طَبْعٍ، بَلِ ٱنْسَلَكَ نِهائيًا في سِلْكِ الفنون الجميلة آخِذًا مِنَ الرَّسْمِ، والنَّحتِ والعِمارة، والموسيقى والرَّقْصِ أشياءَ كثيرة تُغْنيهِ؛ ولِذٰلك، أصبحَ الشِّعْرُ، اللُّغةَ الأَرْقَى والأَسْمَى، ما جَعَلَنا نؤكِّدُ أَنَّهُ: عَلَى مَن شاءَ أن يتكلَّمَ لُغَةَ الآلِهة أن يُجِيدَ لُغَةَ النَّاسِ أَوَّلًا؛ وحُبُّ الشّاعر لم يَعُدْ حُبًّا عادِيًّا، بل إِنَّ عاطفتَهُ تصاعَدَت سامِيَةً؛ لِتُعانِقَ سُموَّ الحبيبةِ المُلْهِمَةِ، وتَبْلُغَ حدَّ العِبادة، فيقول:

         تُحَبُّ؟ تُعبَدُ حسناءً ومُلهِمة  فإن جُنِنْتُ بِها، قد باتَ لي عُذُري[33]

(بحر البسيط)

وذُرْوةُ الحبِّ أَنْ يتمثَّلَ الشَّاعِرُ حبيبتَهُ جامعةً الأُمنياتِ، والكَوْنُ بِها مُختَصَرٌ؛ فيهتِفُ لَها:

آهِ، يـا حُـلْـوَةُ، أَلْـوانُ الـمُـنـى   جُمِعَتْ فيكِ ، وَخِلْتُ الكونَ كُلَّهْ[34]

(بحر الرَّمَل)

وٱكْتَملت صورة الحبيبة، تَصاعُدِيًّا:

 

 

نَتَلَمَّسُ نَوْعَ الحُبِّ المُتَسَامِي عند شَكُّور، من خلال مُتابَعَتِنا لِلْمُفْرَدات المنتشرة في الكثير من قصائده، وفيها صلاةٌ في الحُبِّ، وتعبُّدُ لِرُوحانيَّاتٍ، وخُصُوصًا في ديوانه الأخير: «ذهب الغزل»، كَما في قصيدة «كِلْمةٌ مِنْها»، حين يقول عن حبّهما:

حُبُّنا ٱسْتِثْناءُ حُـبٍّ   في سَمَا رُوحيَ حَلَّا
فَهْوَ لي مَعْبَدُ قُدْسٍ   وَ لَهُ شِعْري يُـصَلَّى [35]
              (مجزوء الرَّمَل)

إنّه حُبٌّ ٱستثنائيّ، حَلَّ في رُوحِ الشَّاعر، وقَدِ ٱسْتعارَ لِهٰذه الرُّوح السَّماء زيادةً في التَّقَشُّف، كَما تحوَّل شِعرُه إلى صلاةٍ، والحُبُّ إلى مَعْبَدٍ مُقَدَّس، والشِّعر الغزليُّ لم يَعُدْ له وُجُودٌ أمام شعر الصَّلاة والتَّصَوُّف؛ وهٰذا يذكِّرُنا بقول الحَلَّاج الشَّاعِرَ الصُّوفِيَّ:

أللّهُ يَعْـلَـمُ ما في النَّفسِ جارِحَةٌ   إلَّا وذِكْـرُكَ فـــيـهــــا نَـــيْــــلُ مـــا فِـــيـهــا
ولا تنفَّسْتُ إلَّا كُنْتَ لِي نَـفَسي   تَجْرِي بِكَ الرُّوحُ مِنِّي في مَجارِيها[36]
          (بحر البسيط)

وَبَعدَ هٰذه الصَّلاة، وهٰذا التَّعَبُّد في الشِّعر المَهْمُوسِ المُصَفَّى، تُطالِعُنا قصيدة بعنوان: «وَلْيَكُنْ  قَلْبِيَ قُرْبانًا»، والقربانُ يُقدَّمُ على المذبحِ أثناءَ الصّلاة عندَ المسيحيين، يَقُولُ شَكُّورُ فيها:

لـكِ يـا فَـرْحَةَ عُمري، وهُنَيهاتي الفَرِيدَهْ
صَلواتٌ مِنْ سَماءِ النَّفْسِ، من دُنيا بَعيدَهْ
وَتَـسابـيـحَ لِـحُـسـنٍ، وَلِأَعْـيـادٍ سَـعِـيـدَهْ
ولْـيَـكُـنْ قـلـبـي قُـرْبـانًـا لِآمـالٍ جَـديـدَهْ[37]
(مجزوء الرَّمَل)

تبرُزُ الحبيبةُ هُنا فَرَحًا لِحياة الشَّاعر، كأنَّها لَقِيَّةُ عُمْر وَهِبَةٌ سَماوِيَّة؛ لِذٰلك، تَحْلُو هُنَيْهاتُ عُمْرِهِ مَعَها، ويُصَلِّي لَها صلاةً سامِيةً، و يُسبِّحُ دَومًا لِحُسنِها البَهِج كالأَعياد، ويَمْنَحُها قَلْبَهُ قُربانًا مُقَدَّسًا على مذْبَحِ الحُبِّ؛ وفي قصيدة أخرى، يَتَمَاهَى الشَّاعرُ والحبيبة شَأْنَ الشُّعراءِ الصُّوفِيِّين: وتُصبِحُ هِيَ كلَّ شَيءٍ في عُمرِهِ:

كلُّ شَيْءٍ هِيَ في عُمري الَّذي   بِهَواها طابَ عُمْرًا، وغَلا
مِثلَ رفِّ الـرُّوح كَم تَسْكُنُ بِي   فَـتَـراني مالِكًا كُـلَّ الـمَـلا!
وَهْـيَ كـالـنُّـورِ بِـعَـيـْنيَّ هَـمَى   ومَــلاكٌ بِــفُــؤادي نَـــزَلا
إن تَـمـاهَـيْـنـا، فـقـدْ حُـقَّ لَـنـا   وَبِها شِعْري سَمَا وَٱشتَعَـلا
هِـيَ مـن دُـنـيـايَ أبْـهَـى هِـبَـةٍ   سَجَدَ الشَّعرُ لَها، وَٱبْتَهلا![38]
                   (بحر الرَّمَل)

ومن أسباب هٰذا التَّماهِي، أنّ عُمْرَهُ أصْبَحَ أَجْمَلَ، وأَغْلَى بوُجودِها، والحبيبة شَفَّافةٌ كالنُّور، وهو مِثْلُها شَفَّاف، فتخترق كالنّور عَيْنَيْه، وتَسْكنُ مَلاكًا في فؤادِه؛ وبسبب هٰذا التَّسامي، يَسْمو شِعْرُ الشَّاعِر، ويَتِمُّ التَّماهِي بين الحبيبينِ بِحرارةٍ وٱشْتعال، ويَخْتِمُ قصيدتَه برفع الحبيبة إلى مستوى العِبادةِ، فيَسْجُدُ الشِّعرُ لَها ويَفْرَحُ.

والشَّاعر شكّور يَخْشَى مُرُورَ الزَّمن قَبلَ أن يُحقِّقَ أحلامَه، كَما باقي الشُّعراءِ بِوَجْهٍ عامٍّ، والقَولُ يبقى مُقَصِّرًا عَمَّا يَجُولُ في نفسِهِ من حُبٍّ لِلْحبيبة المُلْهِمَةِ؛ فلذٰلك، هو في سِباقٍ مَعَ الزَّمن الَّذي يَجْري، ولا يتوقَّف؛ فيقول:

إنّي أُسـابِـقُ في حُبِّي لَها الزَّمَنا   ذاتٌ لِـذاتِـي، وبـاتَـتْ بـي كـأنَّ أنــا…
حُـلْـمٌ تَـجَـسَّـدَ في عَيْنَيَّ مَسْكِنَـهُ   وَفِي فؤادي هَوًى يَحْلُو، وطِيْبَ هَنا[39]
                           (بحر البسيط)

هو يَتَمَاهَى مَعَ الحبيبةِ في ذاتٍ واحدة، فَلِلْحُبِّ هُنا نَكْهة الأُلوهِيَّة والسُّمُوِّ، وَقَدْ زار الكنيسةَ ذاتَ يومٍ، عَلَّها تَشْفِيهِ مِنْ ٱشْتِياقِهِ، ومِن لَهْفَتِهِ لَها، وٱعْتَرَفَ سِرًّا لِرَبِّهِ بأنّ حُبَّها دينُه، وفي هٰذا تَخَطَّى شَكُّور الأعرافَ الدِّينِيَّة، حينَ جعلَ الحبَّ دينَهُ:

زُرْتُ الكـنـيـسـةَ عَـلَّـها تَـشْـفِـيني   مِنْ لَهْفَتي الحَرَّى وَلَفْحِ حَنِينِي
وهَمَسْتُ سِرًّا، وٱعْتَرَفْتُ، مُناجِيًا   رَبَّ السَّمـاءِ، بأنَّ حُـبَّـكِ دِيني[40]
                 (بحر الكامل)

وكتبَ شكُّور إلى الحُلْوة الّتي قَبَّلَتْ خدّهُ قُبلةً طاهرةً، إثْرَ عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ، أُجْرِيَتْ لَه في عينِهِ، فأَحَسَّ بِطُهْرِها ونُبلِها، واصِفًا إيَّاها بأَسْمى المعاني:

قُـبـلـةٌ رَفَّـتْ عـلى خَـدِّي كَـمـا   قَـبَّـلَـتْ ” مَرْيَمُ” في المَهْدِ «يَسُوعْ»
هِيَ مِنْ طُهْرٍ، وَمِنْ شِعْرِ،وَمِنْ   رَقْرَقاتِ الضَّوْءِ في ذَوْبِ الشُّمُوعْ[41]
                      (بحر الرَّمَل)

الشّاعر المأخُوذ بِسِحْر الحبيبة يَبْتَهِلُ لَها، وَيُصَلِّي، كأَنَّهُ رأى وَجْهَ مَرْيَمَ فيها، وقُبْلَتُها طاهِرة كقُبلةِ مَرْيَمَ لٱبنها يسوع، وقد شَبَّهَ نفسَهُ، وهو ملقًى في السَّريرِ بِيسوعَ في المَهْد، وقد تلقّى القُبْلَةَ على خَدِّهِ بِطُهْر، وشَبَّهَهَا بالشِّعر، وبِرَقرقاتِ الضَّوْءِ حينَ تَذُوب الشُّمُوع.

إذًا، ينتشرُ الحقلُ المُعْجَمِيُّ الخاصَّ بالصَّلاةِ: زُرْتُ الكنيسة، ربّ السَّماء، دِيني، ٱعْتَرَفْتُ، مُناجِيًا، مَرْيم، يَسُوع، ذوب الشُّمُوع …) وَهٰذا خيرُ دَليلٍ على سُمُّو شكُّور في هٰذا الحُبِّ، ورَفْعِهِ إلى مستوىً سماويٍّ.

 

خُلاصة

في غَزَلِ شَكُّور قِصَّةُ الحُبِّ الكُبْرَى؛ فشِعْرُ الحُبِّ لَدَيْه تُرْجُمانْ القلوبِ، وقصائده الغزلِيَّةُ مَسِيرةُ حياة، وشعرهُ عامِرٌ بالإلْهام و كَثافَةِ الصُّوَر، وهوَ دائِمُ السَّعي والتَّطَلُّع صَوْبَ الجَمال؛ فهو يُعلن، تارةً أَنَّهُ يُحبُّ المرأةَ ويَسْمُو في حُبِّها، ويَتَرَفَّع عن الرَّغَباتِ الجَسَدِيَّةِ، كما عِندَ الصُّوفِيّين، ثُمَّ يُعْلِنُ عن لَذَّةٍ شَبَقِيَّةٍ وشَهْوَةٍ جَسَدِيَّةٍ ورَغْبَةٍ جانِحَةٍ، تارةً أخرى.

يُقَدِّسُ شكّور الحُبَّ، ويَحْشُد مفرداتٍ تَدُلُّ على إيمانِهِ المَسِيحيِّ وتأثُرُه بِهِ، ويَرْغَبُ في اللَّذة الجَسَدِيَّةِ، فيَذْكُرُ مُفْرَداتٍ ورُموزًا تَدُلُّ عليها؛ أَمَّا حُبُّهُ لزوجتِهِ دوللي، فَكانَ الأسْمى والأنْقى، إذ كانَتْ تلميذَتُهُ قَبْلَ أَن تَكونَ زَوجَتُهُ وَأُمُّ أبنائِهِ، وَهيَ ملاكُهُ الحارِس؛ لِذا، كَتَبَ لَها القّصائِد، وَزَرَعَها باقاتِ عطرٍ في دَواوينِهِ الغَزَلِيَّة، في كُلِّ مرحلة من حَياتِهِ.

في مُعظَمِ قَصائِدِهِ نُزوعٌ إلى عالم الطَّبيعة، مَصدر الوحي والحضن الدّافئ للاختلاء بالحَبيبة في أجواء رومنسيّة، حَيثُ يَصْنَعُ لها أرْجوحَةً من الزَّهر، ويَسْهَرُ مَعَها تَحتَ ضَوء القَمَر، إِضافَةً إلى الرُّومنطيقيّة، يَظْهَرُ تَأثُّر الشَّاعر بالواقعيَّة الّتي يؤَطّرُها في زمانٍ ومَكانٍ؛ لتَتَبَلْوَر فيهما؛ فَقَصائِدُهُ مَبنيَّة على واقِعٍ مُعاش، يَرْسُمُها على أجنِحَةٍ من خَيالِهِ الدَّفّاق، فَتَرتَسِمُ لوحاتٍ مُعَبِّرة، وَيُسافِرُ تارَةً في بَحْرٍ مِنَ الأحلام، بَعيدًا مِنَ العالَمِ الأَرضِيِّ حَوْلَهُ، وَيُوغِلُ في السَّفَر، من غَيْرِ رَغبَةٍ في الرُّجوعِ إِلى الواقِع، فَيَحْشدُ الصُّوَر في كثافَةٍ جَمالِيَّة، تُعَبِّرُ عن سَكْرَتِهِ الشِّعريَّة الحالِمة، فيها مِنَ الفنون الجَميلة (الرَّسم والنَّحت والرَّقص والموسيقى…) ما يَجعَلُنا نَتَبَيَّن مَظاهر الرَّمزِيَّة والبرناسِيَّة في شِعْرِهِ.

المَصادر والمَراجع

  • ابن منظور. لسان العرب. دار صادر. بيروت، لا ت، لا ط.
  • الصَّيرفي، حسن كامل. تحق طوق الحمامة. القاهرة، المكتبة التِّجاريَّة الكُبرى،1384/1964 ،لا ط.
  • المنجد في اللّغة والأعلام. دار المشرق، بيروت، 1986. ط 38.
  • عبد الكريم، حسن. المنهج الموضوعاتي، نظريّة وتطبيق. مجد، المؤسسة الجامعيّة للدِّراسات والنّشر والتَّوزيع، بيروت، 2006، ط 3.
  • خوري، أنطوان. الموسوعة الفلسفيّة العربيّة. معهد الإنماء العربي، بيروت، لبنان، 1988، ط 1.
  • سرور، طه عبد الباقي. الحلّاج شهيد التصوُّف الاسلاميّ. المكتبة العلميَّة القاهرة، 1961، ط 1.
  • شكّور، جورج. وحدها القمر. دار الأخطل الصّغير، بيروت 2004، ط 4.
  • شكّور، جورج. زهرة الجماليا. دار الأخطل الصّغير، بيروت 2004، ط 3.
  • شكّور، جورج. مرآة ميرا. دار الأخطل الصّغير، بيروت، 2004، ط 1.
  • شكّور، جورج. ذهب الغزل. دار الأخطل الصّغير، بيروت، 2012، ط 1.

 

 

 

 

[1]  ريما منصور داغر. حائزة على شهادة دراسات عليا في اللغة العربيّة وآدابها من الجامعة اللّبنانيّة. طالبة دكتوراه في اللّغة العربيّة وآدابها، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، معهد الآداب الشّرقيّة في جامعة القدّيس يوسف في بيروت.

[2] حسن عبد الكريم.المنهج الموضوعيّ نظريّة وتطبيق. مجد، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع، ط 3، بيروت، 2006 م، ص173.

[3] ابن منظور. لسان العرب. دار صادر، لا ط، بيروت، لات، ج1، ص289 .

[4] الموسوعة الفلسفيّة العربيّة. معهد الإنماء العربيّ، ط1، لات، مج 1، ص 350.

[5] هو علي بن أحمد (994-1064) شاعر وفيلسوف ومؤرّخ ومتكلِّم أندلسيّ، وُلِدَ في قرطبة. اعتزل السِّياسة وانصرف إلى التأليف. له «طوق الحَمامة» أثر شهير في الأدب وأدقّ ما كتب العرب في دراسة الحبّ، تأثَّرَ به أفلاطون. (مص المعلومات: المنجد في اللِّغة والأعلام، دار المشرق، ط 38، بيروت، 2000، ص 6).

[6] تحق حسن كامل الصَّيْرَفي. طوق الحمامة، لا ط، القاهرة، المكتبة التِّجاريَّة الكُبرى، 1384/1964، ص 5.

[7]  جورج شكُّور، مرآة ميرا، ط1، دار الأخطل الصَّغير، 2004، ص 110.

[8]  جورج شكُّور، زهرة الجماليا. دار الأخطل الصَّغير. ط 3، 2004، ص 87.

[9] جورج شكّور. وحدَها القمر، دار الأخطل الصّغير، ط 4، 2004 م، ص 122.

[10] جورج شكّور. وحدَها القمر، ص 122- 123.

[11] م. ن. وحدَها القمر، ص 123.

[12] جورج شكّور. وحدَها القمر، ص 123-124

[13] م.ن. ص 124

[14] م. ن. ص 124.

[15] عمر بن أبي ربيعة: (644-712)، شاعر من سراة القرشيين. رقيق الأسلوب، لطيف العواطف. تاب وتزهَّد في آخر حياتِهِ. له ديوان. (مص المعلومات: المنجد في اللّغة والأعلام، ص 4).

[16]  جورج شكّور. زهرة الجماليا، ص 101.

[17]  جورج شكّور. زهرة الجماليا، ص 91.

[18]  م. ن. زهرة الجماليا، ص 154.

[19]  جورج شكّور. وحدها القمر، ص 35.

[20] جورج شكّور. مرآة ميرا. ص 13.

[21] جورج شكّور. وحدها القمر، ص 77.

[22] أفاتنُها: لا وجود لهذا الفعل في المعجم و قد ابتكرَهُ الشّاعر كلفظة تقنيّة.

[23] م. ن.  وحدها القمر، ص 77.

[24] جورج شكّور. وحدها القمر، ص 79.

[25] جورج شكّور. وحدها القمر، ص 93.

 

[26] جورج شكّور. وحدها القمر، ص 80-81.

[27] م.ن. وحدها القمر، ص 83.

[28] جورج شكّور. وحدها القمر، ص 85.

[29]  جورج شكّور. زهرة الجماليا،  ص 68.

[30] جورج شكّور. ذهب الغزل، دار الأخطل الصّغير، ط 1، 2012، ص 91.

[31]  م.ن. ذهب الغزل،  ص 65.

[32] جورج شكّور.  ذهب الغزل، ص 9.

[33] م.ن. ص 13.

[34] م.ن. ص 15.

[35] جورج شكّور. ذهب الغزل، ص 23.

[36] طه عبد الباقي سرور. الحلَّاج شهيد التَصَوُّف الإسلامي. المكتبة العلميَّة، القاهرة، 1961، ط1، ص 82.

[37] م.س. ذهب الغزل، ص 27.

[38] جورج شكّور. ذهب الغزل، ص 50.

[39] م.ن. ص 115.

[40] م.ن. ص 78.

[41] م.ن. ص 58.

عدد الزوار:249

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى